منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    تاريخ الأفكار و النظريات السكانية (الجزء الثالث)

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    تاريخ الأفكار و النظريات السكانية (الجزء الثالث)

    مُساهمة  عمرو قضاض في الأحد يوليو 28, 2013 6:08 pm


    ج. – المؤلفون الاشتراكيون و الماركسيون
    51. عدم المساواة الاجتماعية و البؤس هما أكبر الانشغالات التي تهيمن على فكر المؤلفين و الإصلاحيين الاشتراكيين. كان طوماس مور‘ من قبلهم‘ قد دعا على في كتابه "الطوباوية" سنة 1516 إلى التعادلية الاجتماعية بتقديمه نموذجا لتنظيم الدولة و المجتمع يرتكز على العقل و الأخلاق. فضح بقوة المؤلفون الاشتراكيون الأوائل في كل من انجلترا و فرنسا النظام الرأسمالي و عُرف مذهبهم الاجتماعي و الإصلاحات التي نادوا بها باسم "الاشتراكية الطوباوية"؛ لكن مع قدوم الماركسية و الاشتراكية العلمية‘ كرد فعل على الاشتراكية الطوباوية‘ أصبح عند الطبقات العاملة مذهبا ثوريا متماسكا.
    في الواقع كانت المادية الجدلية التي أتى بها ماركس امتدادا للفكر الفلسفي الألماني و للاقتصاد السياسي الانجليزي و للمذاهب الاشتراكية الفرنسية في القرن التاسع عشر (123). يرى أصحاب المادية التاريخية‘ بوصفها تطبيقا للمادية الجدلية على دراسة تاريخ المجتمعات‘ أن تاريخ الإنسانية كان دائما تاريخا للصراع بين الطبقات و هو الصراع الذي يفسر تعاقب الأنظمة الاجتماعية و تقدمها (124). بحسب هذه النظرية‘ تكمن مهمة "البروليتاريا"‘ باعتبارها الطبقة التي تقوم بإنتاج الخيرات و الخدمات في النظام الرأسمالي‘ في القضاء على النظام الرأسمالي و بناء مجتمع اشتراكي ينعدم فيه استغلال الإنسان للإنسان‘ تماما كما قضت البورجوازية على النظام الإقطاعي (125).
    يقوم الاقتصاد السياسي الماركسي على نظرية تضفي على الشغل قيمة قياسية (126)‘ كما أنه يتوافق مع المادية الجدلية و مع المادية التاريخية.

    52. يعزى البؤس الإنساني‘ في نظر جميع الاشتراكيين‘ إلى الآفات الاجتماعية للنظام الرأسمالي و يؤكدون على أن الإصلاحات الاجتماعية التي يريدونها ترمي إلى الزيادة في القوى الإنتاجية و تسمح بتجنب البطالة و التكاثر السكاني. رفض الاشتراكيون آراء مالتوس بالإجماع لكن اختلفوا بينهم فيما يتعلق بنظرياتهم عن السكان. اهتم الاشتراكيون الأوائل بالقضايا السكانية بشكل جزئي فقط بينما يرجع الفضل إلى ماركس و انجلز في صياغة نظرية سكانية متماسكة البنيان‘ اعتمدها لاحقا جل المنظرين الاشتراكيين (127).

    1. المؤلفون الاشتراكيون الأوائل
    53. كان الاشتراكيون الأوائل يعتقدون أن إعادة تنظيم المجتمع وفق مبادئهم التي تقتضي الرفع من الإنتاج و إقامة نظام اجتماعي أكثر عدالة واتخاذ تدابير وقائية من طرف الحكام سيسمح بتجنب التزايد السكاني المبالغ فيه. توجد هذه الأفكار عند أتباع ريكاردو من الاشتراكيين الانجليز (128) المعروفين بميلهم إلى رفض تصورات مالتوس. في تقدير ثومبسون يمكن الحد من التزايد السكاني بتنظيم المجتمع وفق تصوره لنظام التعاونيات؛ أمّا باري يُصرح بأن الشغل هو مصدر جميع الثروات‘ و نتيجة لذلك يتجه الإنتاج إلى الارتفاع بموازاة مع ارتفاع السكان شريطة أن يكون حجم المواد الأولية كافيا‘ و يستنتج من ذلك إمكانية تجنب التكاثر السكاني المفرط. أما المُصلح الاجتماعي و المُنظر الاشتراكي روبيرت أوون فهو يؤسس لمجتمع صناعي نموذجي حيث الشغل الشاغل هو أن يعيش العمال عيشا كريما. يكمن تأثير هذا المؤلف في الفكر الاشتراكي في إبداعاته الاجتماعية أكثر منه في أعماله حول الاشتراكية الطوباوية (129).

    54. دافع الاشتراكيون الفرنسيون الأوائل بكثير من الحزم على أطروحاتهم. حاول سان سيمون أن يبرهن على أن المجتمع الصناعي يمكنه أن يقضي على الفقر بفضل الرفع من الإنتاجية وكان يعارض "الإكراه الأخلاقي" الذي تكلم عنه مالتوس معتبرا إياه متنافيا مع سعادة العمال. أما ألآن فورييه كان من دعاة تحديد النسل بشكل إرادي و كان يرى بأن التحولات في مستوى المعيشة التي يِؤدي إليها قيام 'الدولة الجماعية' قد تحصر التزايد السكاني. أما لوي بلان فهو يعتبر بأن سوء التدبير الوقائي هو نتيجة و ليس سببا للبؤس بحيث ينبغي إعادة تنظيم المجتمع بشكل يسمح بالقضاء على البؤس و بالتالي تجنب التكاثر السكاني المفرط. في تقدير برودهان تؤدي الاشتراكية الإباحية التي كان يؤمن بها إلى التناغم بين التزايد السكاني و ارتفاع الإنتاج (130).

    55. يعتبر رودبيرتوس و لاسال من الرواد الألمان القائلين باشتراكية الدولة. تعزى البطالة و كذا الدخل الضعيف للعمال في رأيهما إلى مؤسسة الملكية الخاصة و إلى التنافس الحر. لاحظا أن العمال يتقاضون أجورا لا تكفي سوى لتغطية حاجياتهم الأساسية بالرغم من كون الشغل هو المصدر الوحيد للثروات و أن التزايد السكاني لا يؤدي سوى إلى المزيد من استغلال العمال (حسب قانون الأجور...). كانا يؤمنان بحلول دولة عمالية في المستقبل حيث يتحرر الضعفاء من قبضة الأقوياء على عكس ما هو الشأن في الدولة البورجوازية (131).

    56. يرى أشيلا لوريا و هو أحد الاشتراكيين الإيطاليين أن عدد السكان ينبغي تصوره في مقارنته مع الرأسمال و ليس بوسائل المعاش. يشكل النظام الرأسمالي‘ في نظره‘ حاجزا أمام الاستعمال التام للرأسمال و يفرض على الجماهير الشغيلة أجورا هزيلة لا تشجعهم على الامتناع عن الجنس و تدعوهم إلى التوالد بكثرة. في رأيه‘ التزايد السكاني هو الذي يفسر التطور الاقتصادي و تعاقب الأنظمة الاجتماعية (132). أما نيتي رأى في تحسن الوضعية الاقتصادية للطبقة العاملة وسيلة للتخفيض من معدل الولادة و رأى في المجتمع التعادلي حلا للمشكل الذي يطرحه التزايد السكاني (133).

    57. أول مؤلف روسي احتج على أطروحات ما لتوس هو ڤالنتاي‘ حسب ما أورده مالينوڤسكي (134)‘ ومن بعده تشيرنيشڤسكي و آخرون من "الديمقراطيين الثوريين" لاعتبارات غير اجتماعية (135). يُعتبر ميليتين من بين الاشتراكيين الطوباويين في روسيا و يرى بأن أهمية العامل السكاني اجتماعية أكثر منها اقتصادية وأن كل قانون للسكان ينبغي له أن يأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى. يُلح ميليتين على القوة الإبداعية عند الإنسان و يعتبر النشاط الاقتصادي وسيلة فقط "لتلبية الحاجيات الإنسانية" و لا يمكن اعتباره إذن غاية في حد ذاته. و هو يرفض أطروحات مالتوس و يعتبر بأن العلم ينبغي أن يتجه إلى التخفيف من المعاناة الإنسانية و ضمان الرفاهة المادية للمجتمع (136). بصفة عامة كانت نظرته إلى المشاكل السكانية نظرة متفائلة‘ شأنه في ذلك شأن المؤلفين الروس في القرن التاسع عشر (137).

    2. ماركس و انجلز
    لم يأت ماركس و انجلز بنظرية سكانية بالمعنى الصحيح و لكنهما أوضحا‘ ضمن الإطار العام للمادية التاريخية‘ بعض المبادئ الأساسية التي في رأيهما تتحكم في حركة السكان و الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية المرتبطة بها. اعتبر ماركس مبدأ مالتوس السكاني مبدءا "تجريديا" و قال باستحالة وجود قانون كوني و "طبيعي" للسكان‘ بل على العكس من ذلك ترتبط حركة السكان بالظروف الاجتماعية و الاقتصادية الخاصة بكل مجتمع. أكد على أن كل واحد من أنماط الإنتاج المتعاقبة في التاريخ‘ و المرتبطة بمجموعة من العوامل الاجتماعية (138)‘ يتناسب مع قانون خصوصي للسكان يمكن التحقق منه في مرحلة تاريخية معينة. كتب ماركس: " لا يمكن أن يوجد هناك قانونا طبيعيا للسكان لا يتغير إلا عند النبات و الحيوان‘ و يوجد فقط في غياب أي تدخل من طرف الإنسان" (139). يشير ماركس في كتابه الرأسمال إلى الخطوط العريضة لقانون السكان "الخاص بنظام الإنتاج الرأسمالي" والذي يبرز من جهة التكاثر النسبي للسكان‘ باعتباره بالأساس ظاهرة اجتماعية – اقتصادية و من جهة أخرى بأن علاقة حجم الأسرة بمستوى الأجور علاقة عكسية‘ و هو ما يترجم الترابط الموجود بين الظواهر السكانية و الظواهر الاجتماعية.

    59. في نظره‘ يكمن خطر التكاثر السكاني الذي تكلم عنه مالتوس في نمط الإنتاج الرأسمالي و في كون الطبقة المالكة هي التي تستحوذ على قيمة الشغل المضافة و ليس في المنحنيات البيولوجية المزعومة للنوع البشري. ينجم التكاثر السكاني‘ باعتباره ظاهرة نسبية‘ عن التكديس الملحوظ في الرأسمال عندما يتباطأ نمو "الرأسمال المتغير" الذي يحدد الطلب على اليد العاملة عن نمو "الرأسمال القار" الذي يصلح لتمويل الاستثمارات (140). عندما يصل النظام الرأسمالي إلى مرحلة معينة من تطوره‘ لا يسمح بعد ذلك النمو الطبيعي للسكان بمجابهة الطلب المباشر على اليد العاملة‘ لكن يسمح الرأسمال المكدس بالخروج من هذه الوضعية و ينتهي بالحصول على الفاض السكاني الضروري لاستمرار النظام في أداء وظيفته (141). التكاثر السكاني النسبي هو إذن ظاهرة من صميم النظام الرأسمالي تنجم عن تكديس الرأسمال و هي أحد الشروط لمحافظة هذا النظام على بقائه. إذا كان "جيش الاحتياط الصناعي" متواجد بكثرة يمكن آنذاك للرأسماليين إسكات مطالب العمال و إبقاء الأجور على مستواها الأدنى و بالتالي ضمان هامش مهم من القيمة المضافة و من الربح؛ هذا "الجيش الاحتياطي هو الذي يحدد قواعد اللعبة في عرض اليد العاملة و الطلب عليها (142).

    60. التكاثر النسبي للسكان الذي يعني البطالة عند ماركس يمكن أن يتخذ ثلاثة أشكال: غير مستقر‘ غير ظاهر و راكد. تكون الحالة الأولى ممكنة أساسا عندما يفقد العمال عملهم على إثر مكننة الإنتاج أو على إثر التغيرات المحدثة في التنظيم الصناعي؛ الحالة الثانية ممكنة نظرا للتواجد الدائم في الأرياف لبعض الأفراد المستعدين للهجرة إلى المدن لاسيما بعد بروز قطاع رأسمالي في الفلاحة؛ أما الحالة الثالثة فهي ممكنة لأن بعض العمال يزاولون أشغالا غير قارة لا تضمن لهم سوى مستوى معيشي جد منحط. تساهم مختلف العوامل الاقتصادية و السكانية في ظهور التكاثر السكاني النسبي بمختلف أشكاله و المحافظة عليه (143). من بين هذه العوامل يذكر ماركس التقدم التقني الذي يؤدي في النظام الرأسمالي إلى "انحراف جذري" إذ " بقدر ما ترتفع إنتاجية العمل ‘ بقدر ما يرتفع عرض اليد العاملة و بقدر ما تصبح ظروف عيش العمال هشة" (144).

    61. حسب ماركس‘ يعزى اختلاف معدلات الوفيات من طبقة إلى أخرى و بداخل الطبقة العمالية نفسها إلى الوضعية الاجتماعية و إلى مستوى المعيشة ( وهو ما يسميه «حاصل وسائل المعاش" ) و إلى ظروف الشغل و غيرها من العوامل الاجتماعية الأخرى (145). بعدما ذكر قول آدم سميث بأن الفقر يولد 'الجيل" أشار ماركس إلى أن معدلات الولادة و الوفيات و كذا الحجم المتوسط للأسرة لها نسب معاكسة لمستوى الأجور أو بتعبير آخر لها نسب معاكسة لأهمية وسائل المعاش عند مختلف شرائح العمال (146). يتأسف ماركس لهذا القانون الخاص بالنظام الرأسمالي و الذي‘ حسب رأيه‘ لا يوجد عند البدائيين و لا عند بعض المتنورين من سكان البلدان الجديدة (147).

    62. رحب انجلز بتحليل ماركس ترحيبا واسعا كما طور نظريته في السكان. فهو من جهة يعتبر بأن قدرة الإنسانية على الإنتاج غير محدودة لأنه يمكن تحسين المردودية‘ و بخاصة مردودية الأرض‘ وذلك بإضافة المزيد من رأس المال و من العمل و بفضل التقدم العلمي (146)‘ و هو ما يعني إذن رفض أطروحة المردودية التراجعية المتواجدة‘ حسب رأيه‘ ضمنيا في نظرية مالتوس؛ وهو من جهة أخرى يرى بأن التكاثر السكاني النسبي في النظام الرأسمالي هو نتيجة لتكديس مبالغ فيه لرأس المال‘ و هو ما يعتبره تناقضا في الرأسمالية ينبغي حله بشكل نهائي بإعادة تنظيم المجتمع تنظيما جذريا. في رأيه‘ حتى في حالة قبول أطروحات مالتوس حول خصوبة الطبقات الشغيلة تبقى إعادة تنظيم المجتمع مسألة ضرورية لأنها هي الكفيلة وحدها‘ شريطة أن تكون الجماهير واعية‘ بجعل هذا الإكراه الأخلاقي يُعدٍل من الغريزة الإنجابية و هو الإكراه الذي يرى فيه مالتوس العلاج الأسهل و الأنجع لتكاثر السكان(149). في مقالات أخرى يؤكد انجلز على أن ما يحدد مجرى التاريخ هو في نهاية التحليل عاملين وهما " الإنتاج المادي و إعادة إنتاج النوع البشري"‘ أي من جهة إنتاج وسائل المعاش و من جهة أخرى "إنتاج" الكائنات البشرية. في رأيه‘ يكون تنظيم المجتمع مرتبطا بالوضعية الاقتصادية و الاجتماعية عندما تكون الإنتاجية مرتفعة و الإنتاج المادي على قدر كبير (150).

    63. كيف يتطور السكان في مجتمع اشتراكي؟ بخصوص هذه السؤال توخا ماركس و انجلز الحذر أكثر من سابقيهما‘ غير أنه في إطار النقاش الدائر حول تحديد النسل بعث انجلز برسالة إلى كوتسكي سنة 1881 يوضح فيها أن المجتمع الاشتراكي يتوفر على وسائل هامة للإنتاج يتم تدبيرها بواسطة تخطيط صارم بحيث في مثل هذه الظروف يتبع الإنتاج تطور السكان و يضمن لهم العيش الكريم‘ كما أقر انجلز بوجود "خطر نظري" يبرر تحديد التزايد السكاني و أكد على قدرة المجتمع الشيوعي الكاملة‘ عند الضرورة‘ في تحديد إنتاج الكائنات البشرية و تحديد إنتاج الخيرات المادية في ظروف جيدة. في تقدير انجلز يمكن للتخطيط أن يقلص من معدلات الولادة كما حدث هذا التقلص بشكل عفوي في فرنسا و في أوتريشيا المنخفضة (151).

    64. توجد في كتب ماركس و انجلز ملاحظات عدة عن العلاقات الترابطية بين الظواهر السكانية و الظواهر الاجتماعية – الاقتصادية. كانا ينظران إلى الساكنة‘ كما فعل بيتي و سميث و غيرهم‘ من زاويتين مختلفتين: باعتبارها قوة إنتاجية و باعتبارها قوة استهلاكية‘ باعتبارها ساكنة نشيطة أو باعتبارها مجموع الساكنة. في نظرهما‘ يشكل توزيع الساكنة حسب العمر "الأساس العضوي" لتقسيم العمل في المجتمعات البدائية‘ مضاف إليه أشكال متطورة من هذا التوزيع في المجتمعات التي جاءت من بعد (152). يعتبر التباين بين المدينة و القرية و النمو السريع في التعمير بموازاة مع تمركز الرساميل و الصناعات التحويلية و السكان سببا و نتيجة في آن واحد للتقسيم المتطور للعمل (153)‘ كما أن تحويلات اليد العاملة من الأنشطة الفلاحية إلى الأنشطة الغير فلاحية و ما ينجم عنها من هجرة قروية هي الأصل في صيرورة التعمير السريعة‘ بفعل التطور الصناعي و التقدم التقني في ميدان الفلاحة (154). يشترط التقدم الإيجابي لتقسيم العمل تواجد كثافة سكانية معينة(*) يمكن اعتبارها عاملا سكانيا و أيضا عاملا اقتصاديا لأنها مشروطة بالتوزيع الجغرافي للسكان و بوسائل النقل و المواصلات في آن واحد (155).
    (*) العلاقة بين التمركز السكاني و تطور تقسيم العمل توجد في نظرية ابن خلدون في القرن الرابع عشر.

    3. الاشتراكيون الماركسيون الجدد
    65. ظهر بعد الانقسام الذي حصل في الحركة الاشتراكية اتجاهين في معالجة القضايا السكانية لأسباب نظرية و سياسية. اعتبر "المصلحون"‘ شأنهم في ذلك شأن المالتوسيون الجدد‘ أن تحديد النسل يميل إلى تحسين ظروف عيش العمال‘ أما "الثوريون" تشبثوا بأفكار ماركس و انجلز بهذا الخصوص. ساهمت الإصلاحات الاجتماعية‘ (157) و مسألة حقوق المرأة‘ و تطوير الإحصاءات السكانية و مناهج التحليل‘ و مجريات التطور السكاني الجديد في العديد من البلدان في توسيع النقاش بهذا الصدد؛ لكن مع ظهور إتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية و مجموعة من البلدان الاشتراكية حيث أصبحت الماركسية القاعدة الإديلوجية للمجتمع الجديد‘ تشكلت النظرية الاشتراكية للسكان.

    66. بخلاف جل الاشتراكيين في عصره‘ أعطى كوتسكي أهمية كبيرة لقضايا السكان و افترض أن مفهوم التكاثر السكاني النسبي عند ماركس و مفهوم التكاثر السكاني المطلق عند مالتوس لا يتنافيان بالضرورة (159). في آخر كتاباته نجده يقترب من ماركس معتبرا أن التكاثر السكاني ناجم عن تباطؤ نمو "الرأسمال المتغير" عن نمو مجموعه و عن نمو الساكنة النشيطة؛ تباعا لذلك‘ يمكن حدوث فائض سكاني مقارنة مع الرأسمال المتغير يؤدي إلى تقلص في الأجور و إلى تضخم في الأرباح‘ و هي وضعية يمكن معالجتها بواسطة الملكية الجماعية للاقتصاد (160). في تقديره‘ يخلق النظام الاشتراكي الظروف المواتية لتحديد ناجع للتزايد السكاني و للرفع من الإنتاج في آن واحد (161).

    67. اهتم بيبل أساسا بالقضايا السكانية عند قيامه بدراسة تقارن بين ظروف المرأة في المجتمعات الرأسمالية و الاشتراكية‘ لكنه عالج هذا الموضوع بشكل عام؛ فهو يعتبر من الممكن الرفع من الإنتاج الغذائي بشكل مهم و أن تحسين الظروف الاقتصادية يمكن أن يغير من معدلات الخصوبة. في رأيه يتزايد السكان في النظام الاشتراكي بوتيرة أقل من وتيرة تزايده في المجتمع البورجوازي لأن النظام الاشتراكي يعترف للمرأة بحقها في وضع أكثر أهمية (162).

    68. على غرار ماركس‘ رفض لينين مبدأ مالتوس في السكان و اهتم بتفنيد التأويلات الخاطئة لأطروحات ماركس من طرف بعض المفكرين الروس. أكد من جديد على أن إنتاج النوع البشري مشروط مباشرة بالبنية الاجتماعية‘ كما رفض القوانين التجريدية للسكان و التي لا تراعي " أشكال المجتمعات التي تختلف تاريخيا" (163). في نظره‘ يعود التكاثر السكاني في مناطق روسيا الريفية ليس إلى الفوارق بين معدلات نمو السكان و نمو الإنتاج و لكن إلى تدخل الرأسمالية في الفلاحة. تعزى المظاهر الخاصة بالتزايد السكاني في القطاع الفلاحي إلى البروز الفتي للضيعات الرأسمالية على أنقاض البنيات الإقطاعية المتجاوزة (164). في تقديره‘ لا مجال للحديث عن قانون المردودية التراجعية في ضوء التقدم التقني و تطور المناهج الفلاحية (165). كان لينين بطلا اشتراكيا و كان يرى في مصير الرأسمالية في روسيا القرن التاسع عشر صيرورة حوّلت مجتمعا فلاحيا متخلفا إلى مجتمع عصري بفضل انتشار الإنتاج الرأسمالي و التفاوت الطبقي الذي أحدثه؛ صاحب هذه الصيرورة تحولات عميقة في بنية السكان تكمن مظاهرها في تزايد السكان في المناطق الصناعية‘ و تقلص السكان في الأرياف‘ و وجود حركات هجرة من الأرياف إلى المدن و تغير في البنيات الاجتماعية (166).

    69. بينما كان لينين يرى في المالتوسية الجديدة فلسفة تشاؤمية و فكرا بورجوازيا صغيرا‘ طبع التفاؤل أطروحات الحركة العمالية (167). لهذا السبب رفض لينين سنة 1913 " النظرية الاجتماعية" المالتوسية الجديدة و صرح تأييده ل" النسخ الغير مشروط لجميع القوانين التي تمنع الإجهاض أو انتشار موانع الحمل الطبية"؛ في تقديره‘ تشهد هذه القوانين على نفاق الطبقات السائدة طالما أنها غير قادرة على معالجة الأمراض التي تتسبب الرأسمالية فيها‘ و يعتبر لينين أن المناداة بحرية استعمال الموانع الطبية للحمل و الدفاع‘باسم الديمقراطية‘ عن حقوق جميع المواطنين بدون تمييز جنسي‘ لا يعني بتاتا السقوط في النظرية الاجتماعية المالتوسية الجديدة (168). اعتبر لينين حق تحديد النسل من الحقوق الأساسية للإنسان وهو ما كان له تأثيرا مستداما على الفكر الاشتراكي و بالخصوص على السياسات الاشتراكية في مجال تحديد الخصوبة.

    70. لا زال المؤلفون الاشتراكيون المعاصرون يعتمدون في تحاليلهم على المادية التاريخية لماركس و على أطروحاتها السكانية‘ لكن ينبغي لهم الأخذ بعين الاعتبار بأن المشاكل السكانية أصبحت تُطرح في عالم معقد حيث البلدان الاشتراكية تتعايش مع البلدان الرأسمالية و مجموعة البلدان التي تكون العالم الثالث.

    71. في دراسته للنظريات السكانية البورجوازية أعاد سمولوڤتش النظر‘ على ضوء التجربة الحديثة العهد‘ في قانون السكان الذي يطبع‘ حسب ماركس‘ نمط الإنتاج الرأسمالي‘ و اعتبر أن هذا القانون من الممكن التحقق منه كل مرة تتطور فيه المواد المادية للإنتاج على حساب الطبقة العاملة (169). بعد تحليله للعوامل التي تؤثر على الولادة في البلدان المتقدمة اقتصاديا خلص إلى القول بأن انخفاض الخصوبة عند العمال يعزى إلى عدم ضمان مستقبلهم و خوفهم من فقدان شغلهم و هي ظاهرة محسوسة خاصة في الأزمات الاقتصادية التي يواكبها تقهقر مفاجئ في الولادة (170). لاحظ أيضا أن معدلات الولادة تنخفض بشكل غير مسبوق خلال فترة النكوص الاقتصادي حيث تصل البطالة إلى مستواها الأقصى (**)‘ و هو ما يعبر في نظره عن التناقضات الداخلية للرأسمالية لأنه لا يُعزى هذا الانخفاض إلى ظاهرة بيولوجية و لا إلى ارتفاع مستوى التعليم. في تقديره‘ ليست معدلات الولادة الضعيفة جدا و المنحى إلى التناقص السكاني إلاّ نتيجة أساسية للتكاثر السكاني النسبي (171). أخذ بهذه الأطروحة مؤلفون آخرون من الاتحاد السوفيتي (172). رأى ستروميلين في انخفاض الخصوبة في البلدان الغربية تعبيرا عن أوضاع هذه البلدان الاجتماعية و تبشيرا باندثار البورجوازية (173)؛ أما بويارسكي فهو يرى بأن انخفاض الخصوبة الذي حصل في الثلاثينيات (من القرن العشرين) ساعد على الشغل في الخمسينيات و ذلك بتقليصه العرض على اليد العاملة‘ لكن رغم ذلك لم يقضي هذا الانخفاض على البطالة التي تعتبر ظاهرة من رحم الرأسمالية (174).
    (**) لذلك‘ ليس انخفاض الخصوبة مهما في حد ذاته و لكن طريقة أو صيرورة انخفاضها هي أهم بكثير. في البلدان السائرة في طريق النمو التي لم تحقق بعد إقلاعها الاقتصادي وحيث الخصاصة في بنيات التحمل الاجتماعي الحكومية و المدنية تؤدي البطالة المتكاثرة‘ خصوصا في أوساط الشباب‘ إلى العزوف عن الزواج و بالتالي إلى انخفاض الخصوبة بشكل حاد أحيانا‘ لكن تظهر انحرافات في السلوك الإنجابي من ولادات غير شرعية و شذوذ جنسي و استفحال للأمراض المتنقلة جنسيا و تعاط مهول للمخدرات وتفش للجريمة و هو ما يقوض الامتياز الاقتصادي الذي يقلل من خدمات الدولة العمومية في حالة انخفاض الخصوبة لصالح نفقات أخرى لا تقل أهمية في مجال رعاية الأطفال الغير شرعيين ونفقات السجون و إعادة التربية و الخدمات الصحية التي يحتاج إليها المرضى المصابين جسديا و عقليا‘ ناهيك عن ضياع الفرد و فقدانه لمنظومة القيم التي تجعله عضوا مندمجا ونافعا في المجتمع.


    72. حسب بويارسكي تنعكس عملية إعادة البناء الاشتراكية على جميع المظاهر الهامة للحياة الاجتماعية بما في ذلك الظواهر السكانية بحيث ينتفي التضاد بين الساكنة التي هي القوة الإنتاجية الرئيسية و ملاّكي وسائل الإنتاج الجماعية (175). بالرغم من كون المؤلفين الاشتراكيين يلحون على هذا الجانب أو ذاك لهذه المظاهر فإنهم يتفقون جميعهم على الاعتراف بأن القانون الاشتراكي للسكان يواكبه بالأساس توفير الشغل للجميع و الاستعمال العقلاني لقدرات الفرد الإنتاجية و تحسين العناصر المادية و الثقافية التي يتكون منها مستوى عيش الساكنة بعدما تصبح هذه الأخيرة في مأمن من الاستغلال (176). في رأي البعض منهم يمكن للتكاثر السكاني أن يبقى مستمرا في المراحل الأولى لبناء المجتمع الاشتراكي نظرا لوجود بعض الصعوبات الاقتصادية و بعض المشاكل السكانية التي لا يمكن تجاوزها بسهولة (177).

    73. فيما يتعلق بالمظاهر السكانية لقانون السكان الاشتراكي يعتبر سمولوڤتش بأن الاشتراكية تسمح بتسريع التزايد السكاني (176)‘ و هو يُنكر كون عوامل التصنيع و ولوج الجميع إلى الرفاهة و تطور الثقافة و تحسين وضعية الأفراد الاجتماعية تؤدي إلى انخفاض الخصوبة و إلى انخفاض معدل النمو الطبيعي للسكان في الاتحاد السوفيتي‘ على غرار ما هو حاصل في البلدان الرأسمالية‘ و لاحظ بأن معدل النمو الطبيعي للسكان هو في الاتحاد السوفيتي أضعاف ما هو عليه في تلك البلدان (179). يبدو أن آراء العديد من المؤلفين السوفيت هي في صالح التزايد السكاني السريع (180)‘ و لكن بعض المؤلفين أمثال ستروميلين لا يرى في ذلك أساسا من الصحة. يعتقد ستروميلين أن القوانين التي تحكم السكان في البلدان الاشتراكية ليست بكل بساطة معاكسة لنفس القوانين في البلدان الرأسمالية‘ مشيرا إلى أن معدلات الولادة و النمو الطبيعي للسكان و الوفيات قد انخفضت بشكل ملحوظ في البلدان الاشتراكية ؛ و الظاهر هو أنه خلال "المرحلة الأولى للشيوعية" يمكن حل مشكل التكاثر السكاني النسبي دون أن تختفي العلاقة العكسية بين الخصوبة و الدخل‘ لكن خلال "المرحلة الثانية" تؤدي التحسينات الجديدة لظروف العيش إلى تقلص الفوارق بين معدلات الخصوبة (181).

    74. رفض المؤلفون الصينيون نظرية هونغ تيان – تسي و هو أحد السابقين لمالتوس‘ كما رفضوا أيضا مبدأ مالتوس في السكان (182). أراد كل من تشانغ و ماو غانغ و هوي صياغة قانون سكاني يصلح تطبيقه على المجتمعات الاشتراكية. قالوا بأن الاشتراكية تفترض استعمال عقلاني لليد العاملة و تحسين ظروف العيش و القضاء على الفوارق بين المدينة و القرية و بين العمال اليدويين و العمال الفكريين. فيما يتعلق بالنمو السكاني رأوا بأن الوفيات تتجه صوب حد أدنى عضوي و أن الخصوبة تتقلص من مستوى جد مرتفع إلى مستوى أدنى؛ يتجه معدل نمو السكان إلى الاستقرار‘ بعدما كان مرتفعا و سريعا‘ بفعل هذا التطور المزدوج ‘ أي عندما ينخفض معدل نمو السكان إلى مستوى أدنى ينتهي به الأمر"أساسا إلى الاستقرار" و هذا لا يلغي إمكانية حدوث بعض التغيرات الطفيفة فيه. في تقديرهم ينبغي لمعدل النمو الطبيعي للسكان أن يستقر في مستوى منخفض نسبيا‘ و أنه من صالح الفرد و الجماعة أن يحدد كل من الحزب و الدولة هذا المستوى (183). في كتابه "النظرية الجديدة للسكان" أشار ماى إلى بعض العلاقات الترابطية الموجودة بين الوضعية الاقتصادية و حركة السكان و أكد على ضرورة الخفض من الولادة لتمكين الفلاحة من التطور السريع و تفادي الوقوع في مشاكل خطيرة (184). قوبل هذا التأكيد ببعض ردود الفعل (185) منها من يُقر في جميع الحالات ‘ كما فعل وان‘ بأن إلغاء الملكية الخاصة لا يحل جميع مشاكل السكان (186).

    75. تقدم البلدان الاشتراكية خصائص أصيلة و مشتركة بينها لصياغة نظرية سكانية اشتراكية و كونية وذلك بفعل وحدة تاريخها و الطريقة التي تطورت بها مجتمعاتها و منحنيات سكانها. و إذا كان المؤلفون على كلمة سواء في القول بأن مصدر جميع الثروات يكمن في السكان‘ فإنهم لا يتفقون حول الأنماط التي ينبغي أن يتخذها معدل نمو السكان في بلد اشتراكي؛ بصفة عامة أشار سويزي إلى الامتياز الذي يكون عند بلد اشتراكي يقوم على التخطيط الاقتصادي في تخفيض معدل نموه السكاني‘ في حدود مثلى‘ لأنه في حالة التزايد المستمر للسكان " لا يمكن أن ينجم عن ذلك سوى عواقب كارثية في جميع الميادين" (187). أما بجانيك كان يرى بأن تجربة البلدان الاشتراكية لا زالت فتية بحيث لا يمكن إبراز ثوابت تطورها السكاني. تختلف الظروف من بلد اشتراكي إلى آخر و كذلك العوامل التي تحدد حركة السكان و لذلك كان من الطبيعي أن تتنوع فيها السياسات السكانية (188). أكد فاجفر على أسبقية دراسة الأحداث السكانية و الاجتماعية عوض البحث عن قانون للسكان معتبرا أن القوانين التي تمت صياغتها لحد الآن هي تجريدية و لا تفصح عن الواقع بقدر ما أنها تنطلق من المسلمات (189).

    76. أجمع المؤلفون الماركسيون على أن التزايد السكاني ليس الأصل في الفقر الذي تعاني منه البلدان المستعمَرة بل راجع إلى النظام الاستعماري و إلى التخلف (190). أشار بالم دات إلى كون ساكنة الهند كانت تعرف في عهد الاستعمار البريطاني نموا أقل من مجموع البلدان الأوروبية تقريبا (191)؛ حسب هذا المؤلف وقع في الهند "حصارا مفتعلا" لصيرورة التطور الاقتصادي‘ التي كان قد نجم عنها في أوروبا تزايدا سريعا للسكان‘ بفعل حاجيات المدن الكبيرة و تواجد بنيات اجتماعية و اقتصادية لا تسمح باستثمار الموارد الطبيعية المتوفرة بشكل كبير واستغلال (الاستعمار) لثروات البلد و تدابير مختلفة مؤسفة. في نظره لا يمكن إرجاع الفقر المدقع في الهند لأسباب طبيعية أو إلى تكاثر سكاني مزعوم و لكن إلى الظروف الاقتصادية و الاجتماعية التي خلقتها الهيمنة الامبريالية (192). في رأي كوسلوف ساهم الاستعمار في بعض الحالات إلى تقهقر الخصوبة‘ و يذكر عوامل أخرى مثل تفكك البنيات الاجتماعية التقليدية و اقتصاد الاستغلال و تدني مستوى المعيشة على الحد المطلوب و هجرة اليد العاملة الذكرية بحثا عن الشغل (193). في تقدير خلاتباري حصل (في البلدان المستعمَرة) إزعاجا للتناغم التقليدي بين عدد السكان و "نمط الإنتاج" القبل - رأسمالي (***) دون أن يعوضه توازنا جديدا على درجة أعلى (194).
    (***) يستعمل الاقتصادي المغربي عزيز بلال مقولة "نمط الإنتاج الرأسميلي" لتمييزه عن نمط الإنتاج الرأسمالي و يختص بأنه نمطا طفيليا يدور في حلقة النظام الرأسمالي المركزي للأوساط الامبريالية و سببا في "الثنائية الاقتصادية" بين قطاع تقليدي متخلف و قطاع مندمج في السوق العالمي.


    77. يتخذ التكاثر السكاني في البلدان السائرة في طريق النمو حاليا أشكالا تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي أفرزته. في تقدير خلاتباري يوجد اختلاف في طبيعة التكاثر السكاني في البلدان الرأسمالية المتقدمة و البلدان السائرة في طريق النمو. في هذه الأخيرة يرتبط التكاثر السكاني بجهاز إنتاجي أكل عليه الدهر و شرب و يتجلى خاصة في القطاع الفلاحي التقليدي حيث الفقر و التزايد السريع للسكان. و يميز خلاتباري بين ثلاث نماذج للتكاثر السكاني: النموذج المرتبط باقتصاد القرية و النموذج الذي يظهر في المجتمعات الشبه – إقطاعية و أخيرا النموذج الذي يظهر في قطاع الاقتصاد العصري. يفترض الاستقرار السكاني و إعادة التوازن بين عدد السكان و حجم الإنتاج تدخل صيرورة معقدة يتم بموجبها الحصول على تنمية اقتصادية سريعة و إعادة تنظيم المجتمع وفق نموذج اشتراكي وإحداث تحولات أخرى (195). يقترح نون من جهته تفسيرا ماركسيا لنوع من التكاثر السكاني النسبي الأكثر شيوعا في بلدان أمريكا اللاتينية و الذي يتجلى في شكل ما أسماه " الجماهير المُهمشة". حسب رأيه ينجم تواجد "جيش صناعي احتياطي" في البلدان الرأسمالية على بطالة يمكن نعتها "وظيفية" بينما ينبغي اعتبار ظاهرة التهميش بأنها غير وظيفية‘ بل "مختلة" لأنها نتاج لنظام اجتماعي دون أن تكون ضرورية لأداء وظيفته (196). غير أن نون لا يشرح بتدقيق كيف ترتبط الأحداث السكانية بصيرورة التهميش.

    78. نظرا للوتيرة السريعة التي عرفتها البلدان السائرة في طريق النمو في الخمسينيات من القرن الماضي انكب المؤلفون الاشتراكيون على الدراسة المعمقة بين السكان و التنمية و اهتموا على الخصوص بمعالجة القضايا التي تتعلق بحجم الأسرة‘ بالشغل و بوفرة المواد الغذائية من زاوية براغماتية أساسا. تقدم الفقرة السابعة عشر من هذا المؤلف ( أسباب و نتائج التطور السكاني) و المخصصة للسياسات السكانية تحليلا لأعمالهم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:43 pm