منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    مراحل التطور السكاني

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    مراحل التطور السكاني

    مُساهمة  عمرو قضاض في الأربعاء أغسطس 14, 2013 2:15 pm


    د. - التطور الحديث

    104. ظهر في العقود الأخيرة اتجاهين رئيسيين في تطور النظرية السكانية. من جهة أدى التقدم الذي تحقق في مناهج تحليل و دراسة الخصوبة و الوفيات و ظواهر سكانية أخرى إلى التوكيد على ضرورة صياغة النظريات السكانية و ذلك بالارتكاز ليس على التزايد العام للسكان و لكن على محدداته الرئيسية أي على الخصوبة و الوفيات؛ من جهة أخرى أثارت البلدان حيث التنمية ضعيفة اهتماما بمشاكل التنمية الاقتصادية و بآثار معدلات النمو السكاني المرتفعة على صيرورة التطور الاقتصادي و ما يرتبط بهذا الأخير من خصائص مختلفة. نتيجة لذلك ازداد حجم الدراسات التي تعنى من جهة بنظرية الانتقال السكاني التي تدرس كيفية تطور الخصوبة و الوفيات معاً في الزمن‘ و من جهة أخرى بعدد متصاعد من النماذج و النظريات التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية بما في ذلك النظرية السكانية التي هي أحد عناصرها الرئيسية؛ غير أن هذه المقاربات بقدر ما أنها عمقت من معرفة و فهم الظواهر السكانية بقدر ما أنها لم تفلح بعد في وضع نظرية سكانية تكون مقبولة في جميع جوانبها.
    1. نظرية النمو الانتقالي
    105. على عكس النظريات الأخرى ترتكز نظرية النمو الانتقالي على التجربة التاريخية الفعلية؛ بعدما تناول بعض المؤلفين بالدراسة التطور السكاني للبلدان التي تنتمي إلى الحضارة الغربية خلصوا إلى نتيجة مفادها أن السكان يمرون في تطورهم بمراحل تاريخية يمكن تعريفها تعريفا واضحا. اهتمت نظرية النمو الانتقالي في البداية بتقديم شرح عام لصيرورة انخفاض الخصوبة و الوفيات في هذه البلدان‘ ثم بعد ذلك عرفت تحسنا في الأداء و تأويلا واسع النطاق بحيث أصبح من الممكن تطبيقها أيضا على البلدان التي توجد في بداية تحولها السكاني؛ فضلا عن ذلك استعملت هذه النظرية من الناحية التطبيقية كأداة لتوقع التوجهات السكانية في البلدان التي شرعت في انتقالها السكاني و التي تتسم بتزايد سكاني مرتفع بفعل تراجع سريع للوفيات وارتفاع شبه قار لمعدلات الخصوبة.

    106. يعتبر لاندري أول من حاول إبراز مراحل التطور السكاني. في سنة 1909 قام بتحديد ثلاث مراحل أو كما يسميها ثلاثة أنظمة لهذا التطور (260). بالنسبة له الإنتاجية هي العامل الاقتصادي الأساسي في دراسة تأثير العوامل الاقتصادية على السكان و هو يميز بين ثلاث أنظمة اقتصادية يعبر كل واحد منها عن الكيفية التي يتأثر بها عدد السكان بحسب تغير الإنتاجية: النظام البدائي‘ النظام الوسيط و النظام المعاصر؛ يختص النظام البدائي بجميع الكائنات الحية عدا الإنسان مع العلم أن الإنسان كان يعيش فيه من قبل و لا يزال أحيانا. في مثل هذا النظام لا تخضع الخصوبة لأي تقنين نابع من الاعتبارات الاقتصادية كالآثار الاقتصادية على الإنجاب مثلا كما أنها تكاد تصل إلى المستوى العضوي (الفيزيلوجي) الأقصى لولا أن التقاليد المتعلقة بالزواج تمنعها من ذلك؛ أما الوفيات‘على عكس الخصوبة‘ فهي تتأثر بالعامل الاقتصادي الذي يقنن من خلالها التزايد السكاني. يتجه عدد السكان صوب أقصى حد تسمح به وسائل المعاش المتاحة و يصل إلى هذا الحد عندما يتعادل مستوى الوفيات‘ بفعل تدني مستوى المعيشة‘ مع مستوى الخصوبة. أما النظام الوسيط لم يحظى بتعريف واضح من طرف لاندري‘ لكن يعتبره نتاجا لتأثير الزواج على الخصوبة بحيث يلجأ السكان إلى تأخير الزواج أو حتى العزوف عنه بهدف المحافظة على مستواهم المعيشي الذي تعودوه و هو ما يؤثر على عدد السكان وبالتالي يحول دون وصوله إلى الحد الأقصى. أما في النظام المعاصر الذي يعتبر ثمرة "الثورة السكانية" لم تعد العوامل الاقتصادية تقوم فيه بنفس الدور كما في الأنظمة السابقة لأن السكان يلجئون بشكل إرادي إلى تحديد نسلهم و يرغبون في تقليص الولادة و هو ما يعبر عن الانخفاض العام في الولادة الذي يميز هذا النظام؛ في مثل هذه المرحلة من التطور السكاني لا يمكن الحديث عن "قانون السكان" الذي يروم التوازن بين الخصوبة و الوفيات‘ كما أن انخفاض الخصوبة يتوقف عند مستويات معينة و لا يستمر إلى ما لانهاية و لا يعني بالضرورة أن الخصوبة ملزمة بالانخفاض (261).

    107. حاول ثومبسون إدماج تجربة أوروبا السكانية في إطار نظري قابل للتطبيق أيضا على مناطق أخرى من العالم بحيث قسم البلدان إلى ثلاث مجموعات رئيسية حسب معدلات الولادة و الوفيات؛ تتكون المجموعة الأولى من البلدان التي وصلت إلى مرحلة متقدمة من التطور السكاني و تشمل:
    أ) البلدان التي تنخفض فيها معدلات الولادة و الوفيات بسرعة‘ مع وتيرة انخفاض أسرع في معدل الولادة‘ و هو ما يؤدي إلى انخفاض معدل النمو الطبيعي للسكان.
    ب) البلدان التي تنخفض فيها معدلات الولادة و الوفيات في بعض الطبقات الاجتماعية بوتيرة متساوية‘ الشيء الذي يؤدي إلى عدد مستقر للسكان و أحيانا إلى حصول تزايد سكاني.
    ت) البلدان الأقل انخفاضا من البلدان السابقة في معدلات الولادة و الوفيات و حيث يكون التحكم في الوفيات أكثر منه في الولادة‘ الشيء الذي يؤدي إلى حصول تزايد سكاني من المحتمل أن يصبح سريعا في المستقبل (262).
    أما بلاكر فهو يميز بين خمسة مراحل للتطور السكاني:
    1) المرحلة المستقرة حيث يكون معدلا الولادة و الوفيات كلاهما مرتفعين.
    2) مرحلة بداية التوسع السكاني حيث تكون الولادة و الوفيات مرتفعة مع بداية حصول انخفاض في الوفيات.
    3) مرحلة نهاية التوسع السكاني حيث تكون الولادة و الوفيات في تقلص مع انخفاض أسرع في الوفيات.
    4) المرحلة المستقرة تكون الولادة و الوفيات منخفضة بشكل متوازن.
    5) مرحلة الانحطاط حيث تكون الوفيات ضعيفة و الولادة أقل ضعفا منها‘ الشيء الذي يؤدي إلى ازدياد في الوفيات على حساب الولادة (263).

    108. صاحب التطور الاقتصادي لأوروبا في العصر الحديث انخفاضا في الوفيات بفعل الصيرورة العامة للتحديث و تحسن مستوى المعيشة و ظهور وسائل جديدة للوقاية من الأمراض بينما لم تتأثر الخصوبة بهذه الصيرورة كما تأثرت الوفيات‘ لكن مع مرور الزمن انخفضت الخصوبة بدورها بفضل تعميم وسائل منع الحمل التي وجدت إقبالا واسعا من طرف الأفراد الذين يقطنون في المدن الصناعية‘ حسب ما لاحظه نوتشتاين. في تقديره ينعكس التحديث بشكل أقوى و أسرع على الوفيات منه على الخصوبة و لذلك يمكن التمييز بين ثلاث مراحل للتطور:
    1) تقلص السكان بعد نهاية مرحلة النمو الانتقالي حيث تنخفض الخصوبة و يبقى عدد السكان مستقرا أو يقل.
    2) سكان لا يزالون في مرحلة النمو الانتقالي و يميزهم التزايد في العدد و بداية انخفاض معدل الولادة.
    3) سكان لم يدخلوا بعد مرحلة النمو الانتقالي لهم إمكانيات هائلة للتزايد و يتميزون بارتفاع معدل الخصوبة و انخفاض معدل الوفيات.
    في نظره‘ تسمح دراسة المراحل الأولى لظهور التنمية الاقتصادية و مرحلة النمو الانتقالي في بعض البلدان الغير الأوروبية بتطبيق مبادئ النمو الانتقالي الأوروبي على باقي بلدان العالم.

    109. قام كل من كول و هوڤر بتحليل تجربة البلدان الصناعية في النمو الانتقالي. تتميز الاقتصاديات الزراعية ذات الدخل الضعيف بمعدلات مرتفعة في الولادة و الوفيات بحيث يكون الأول قارا نسبيا و الثاني متغيرا مع الظروف؛ بعد ذلك يبدأ معدل الوفيات في الانخفاض بشكل مستمر نتيجة تقدم و تخصص الاقتصاد و نشوء علاقات ارتباط و خضوع الاقتصاد لقانون السوق في ظل تنظيم أفضل للإنتاج و تحسن وسائل العلاج الطبية‘ في مرحلة متأخرة يبدأ معدل الولادة بالانخفاض بشكل مواز مع انخفاض معدل الوفيات لكن بوتيرة أقل‘ و في نهاية المطاف يبدأ معدل الولادة بالاقتراب من جديد من معدل الوفيات الذي يكون قد وصل إلى أقصى مستوى انخفاض ممكن و يعود بذلك التوازن من جديد بين الولادة و الوفيات بحيث يصبح تزايد السكان تزايدا تدريجيا في ظل تقلص المخاطر التي تحدق بالوفيات و تكاثر العائلات الغير الممتدة؛ مع مرور الزمن تصبح معدلات الوفيات قارة شيئا ما بينما يمكن تغيير معدلات الولادة بقرار فردي بعيدا عن تأثير العادات الراسخة في المجتمع (265).

    110. استعملت نظرية النمو الانتقالي لوصف صيرورة التطور السكاني بشكل عام و قوبلت بانتقادات من طرف البعض الذين وقفوا على حدودها باعتبارها مرتبطة بالتجربة الأوروبية وغير قابلة للتعميم طالما أن منحنيات التطور السكاني في العالم بعيدة أن تكون متشابهة (266) لكنها تصلح للتعرف على بعض المؤشرات العامة للتزايد السكاني في البلدان الغير أوروبية (267). و كمثال على ذلك يميز كاوغل بين مختلف نماذج الحلقات السكانية التي تحددها مختلف أنماط السلوكيات التي تعبر عنها معدلات الولادة و الوفيات و التي لا تتبع نفس التطور الذي ترسمه نظرية النمو الانتقالي (268). درس بيليغ مراحل التطور السكاني لكل من البلدان الرأسمالية و الاشتراكية و قال بضرورة دراسة التجربة التي تعيشها البلدان الاشتراكية حيث رأى في مراحل تطور سكان الاتحاد السوفيتي (سابقا) تعبيرا عن التحولات الاجتماعية و التقدم الصناعي (269). شكك ڤلنتاي من جهته في إمكانية حصول تطور سكاني ناجم عن التصنيع متشابه في البلدان الرأسمالية و الاشتراكية و في تطبيق تجربة البلدان الرأسمالية الغربية على بلدان آسيا و أفريقيا الأقل تطورا (270). فيما يتعلق بالبلدان التي لا تزال في مرحلة النمو الانتقالي أشار البعض إلى أن أقل ما يمكن قوله عن التغيرات التي تعرفها هي أنها تختلف كثيرا في من حيث الوتيرة عن نظيراتها في البلدان التي تجاوزت هذه المرحلة كما يظهر ذلك في الانخفاض السريع للوفيات فيها و كون الخصوبة كانت قد شرعت في الانخفاض قبل أن تنخفض الوفيات في بلدان أوروبا (271).

    111. أخطر ما يؤاخذ على نظرية النمو الانتقالي كذلك هو كونها نظرية غير مقنعة. في الواقع ليست هذه النظرية سوى عبارة عن وصف للأحداث التي عرفتها بشكل منتظم البلدان النامية‘ فضلا عن كون أصحابها لا يعطون فكرة واضحة و دقيقة عن بعض العوامل الرئيسية و المعقدة التي تؤثر في العناصر التي يتكون منها التزايد السكاني و هو ما يطرح السؤال عن قدراتها التفسيرية و التوقعية. تسمح هذه النظرية فقط بشرح الفترات الحاسمة التي عرفها التطور السكاني دون أن تقدم نظاما منطقيا من العلاقات يمكن اعتماده لاستنتاج الحقائق و توقع المستقبل (272)‘ و من بين ما ذكره نوتشتاين بهذا الصدد هو استحالة ضبط جميع عناصر صيرورة التحديث و احتساب القيمة الرقمية للعوامل التي يمكن عزلها. في تقديره إذا كانت نظرية النمو الانتقالي تشكو من صلاحيتها كنظرية عامة ينبغي التركيز إذن على ما هو أقل عمومية في استخلاص المعارف(273)؛ كما يرى البعض بأنها تصلح كإطار نظري لتوسيع التعميم التجريبي (274) بحيث أصبح من الضروري تفسير منحنيات الخصوبة و لا سيام السبب الذي أدى إلى تراجعها (275).


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:43 pm