منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    السكان و التنمية الاقتصادية ( الجزء الأخير من تاريخ الأفكار و النظريات...‘)

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    السكان و التنمية الاقتصادية ( الجزء الأخير من تاريخ الأفكار و النظريات...‘)

    مُساهمة  عمرو قضاض في الجمعة أغسطس 16, 2013 3:24 pm


    [
    b]2. السكان و التنمية الاقتصادية[/b]
    112.  غابت النظرية السكانية عن المدرسة الكلاسيكية الجديدة لفترة إلى حين أن عاودها النقاش الذي أثارته حولها نظرية الركود الاقتصادي.تؤكد هذه النظرية على الآثار السلبية التي من الممكن أن يحدثها التقلص السكاني على التطور الاقتصادي للبلدان المتقدمة اقتصاديا (276).اهتم الاقتصاديون المعاصرون بقضايا السكان ضمن انشغالهم بتحليل الدور الذي تلعبه مشاكل التنمية الاقتصادية في البلدان القليلة التطور و ذلك بسبب عاملين رئيسيين: علاوة عن المشاكل التي يطرحها عدم التوازن بين عدد السكان و الموارد توجد مشاكل تتعلق بالنمو السكاني الغير المسبوق في التاريخ في معظم البلدان السائرة في طريق النمو. اتفق المؤلفون تدريجيا بأن المشاكل السكانية هي جزء من مشاكل التنمية الاقتصادية و أن التزايد السكاني في البلدان السائرة في طريق النمو له انعكاسات اقتصادية مهمة.
    تحظى الساكنة بالاعتبار في نظريات و نماذج التنمية  لكن بوصفها متغيرة ارتباطية أو خارجية‘ كما أنه لا توجد سوى محاولات نادرة لدمج النظرية السكانية و النظرية الاقتصادية؛ كذلك‘ بقي مفهوم السكان في هذه المحاولات متأثرا جدا بالنظرية المالتوسية.

    113. قام بيكوك بحثا عن العلاقة بين هذه النظرية و النظرية الحديثة للتنمية و السكان بواسطة "نموذج" يقوم على فرضيات و مسلمات مالتوسية هي في نظره كالآتي:
    ا) الساكنة هي وظيفة تصاعدية للإنتاج الفردي المتوسط ؛
    ب) العرض على الأيدي العاملة هو وظيفة تصاعدية لمستوى الساكنة؛
    ت) عندما يبقى الرأسمال و الأرض على حالهما لا يمكن الاستمرار في الرفع من حجم اليد العاملة بعد نقطة معينة دون أن يؤدي هذا إلى حصول انخفاض في الناتج الفردي.
    يظهر من هذه المبادئ و من فرضية "الحد المعيشي الأدنى" أن منحى السكان يتجه صوب تحقيق عدد سكاني يضمن فيه هذا الحد لا أقل و لا أكثر؛ غير أنه لا يوجد أي سبب في نظر بيكوك لقبول هذه الفرضيات و المسلمات و احتج خاصة على القول أن الساكنة هي وظيفة للإنتاج  و أن هذه الأخيرة هي بدورها وظيفة غير مباشرة لعدد السكان كما تتضمن ذلك الفرضيتين الأخيرتين. إن ما يهم عنده من وجهة النظرية الاقتصادية هو معرفة إلى أي حد يكون فيه الإنتاج مشروطا بالسكان و العرض على اليد العاملة.؛ إلاّ أنه من وجهة النظرية السكانية ينبغي معرفة هل من الممكن اعتبار الساكنة وظيفة للإنتاج‘ أو على وجه التحديد هل يمكن اعتبارها وظيفة للدخل الفردي المتوسط. تفيد تجربة البلدان الغربية بأن عدد السكان يمكن أن يكون وظيفة تراجعية للدخل و ليس وظيفة مرتبطة بمستوى الدخل -  كما تعتبره النظرية المالتوسية – ‘ علما بأن العلاقة بين السكان و مستوى المعيشة أو الظروف المادية التي تتضمنها النظرية المالتوسية تبقى واردة إلى حد ما و إن كانت موضع انتقاد شديد.    في الواقع تضفي الموانع الوقائية أهمية متزايدة على العوامل الاقتصادية و تفند مبدأ مالتوس  العضوي القائل بأن " الحب بين الجنسين" هو المحدد للإنجاب‘ ذلك أن وجود هذه الموانع يعبر عن الأهمية التي أصبحت تعطى لمسألة التقرير فيما يتعلق بالإنجاب بحيث أصبح يعزى إنجاب الأطفال إلى  خيار اقتصادي و أن كلفة تربية الأطفال تتوقف  قيمتها على مدى قدرة الفرد على التخلي عن عدد من الخيارات الأخرى (278). (*)
    (*) إذا كان من الممكن احتساب الكلفة الاقتصادية لإنجاب و تربية الأطفال يعتبر بعض الباحثون أن سعادة الأبوين عند ولادة الأطفال لا تقدر بثمن.
    114. حاول كونتس صياغة نظرية للتزايد السكاني تكون متوافقة مع أطروحة المدرسة الكلاسيكية التي تقول بأن الطلب على اليد العاملة هو الذي يتحكم في العرض عليها. افترض وجود علاقة مباشرة بين الوفيات و الخصوبة ‘ لكن فسر الخصوبة انطلاقا من العلاقة العكسية الشائعة بين الخصوبة و الوضعية المادية أو الدخل.  زعم أن الأغنياء لم يعودوا بحاجة إلى كثرة الإنجاب منذ المراحل الأولى التي عرفتها التنمية لأن اشتغال الأطفال و النساء أصبح قليل الأهمية عندهم. عندما يكون الطلب على يد عاملة مكونة من الأطفال يصبح منطقيا أن تنجب الطبقات الفقيرة العديد منهم و لا ينخفض معدل الولادة عندهم إلاّ إذا تقلص الطلب عليهم و ارتفع على اليد العاملة ذات الجودة المتوسطة (279).

    115.يعتبر ليبنشتاين الساكنة  من بين المتغيرات المندمجة  في النظريات و النماذج التي تعنى بالتنمية الاقتصادية؛ في تقديره‘ لا يمكن كسر التوازن الذي يطبع اقتصاد المعاش المتخلف إلاّ إذا حصل تحولا في المجتمع أو دينامكية جديدة‘ بحيث أن القوى الناجمة عن هذا التحول و المدرة للدخل ( التقدم التقني‘ الهجرة و خاصة نمو الرأسمال) تثير بدورها قوى أخرى ( تصاعد الاستهلاك‘ الضغط على الموارد‘ تصلب المؤسسات و خاصة التزايد السكاني) تعمل على تخفيض الدخل. يتراجع الاقتصاد إلى التوازن الذي يطبع اقتصاد المعاش في حالة افتقار هذا التحول الاجتماعي إلى الدينامكية اللازمة التي تجعله يتغلب على العوامل التي تحد من الدخل و التي لا تسمح بتحقيق الحد الأدنى الضروري للعيش؛ لذلك يعير ليبنشتاين الساكنة أهمية قصوى  إذ يعتبرها متغيرة داخلية (مندمجة)‘ كما يرى في التزايد السكاني النتيجة المترتبة عن العلاقات الموجودة بين محدداته الرئيسية (الخصوبة‘ الوفيات) و الدخل الذي هو وظيفة لمستوى المعيشة بحيث أن العلاقة بين الوفيات و الدخل هي علاقة ترابطية سلبية لأن الزيادة في الأجور و تحسين النظام الغذائي و السكن و التطبيب‘ الخ‘ مرتبطة بارتفاع الدخل و هو ما يؤدي إلى انخفاض الوفيات؛ أما الخصوبة فهي مشروطة بتوفر مجموعة من العوامل إذ تهيمن عليها في البداية أسباب تواجد العائلات الكثيرة الأطفال و بعد وصولها إلى نقطة معينة تبدأ و لا شك في التراجع  بسبب ارتفاع الدخل. عرض ليبنشتاين مجموعة من العوامل التي  تجعل الآباء يفضلون عدد قليل على عدد كبير من الأطفال  منها التعقل في الإنجاب و عدم الرغبة في إضافة طفل آخر إذا كانوا غير راضين على ما ينفقون عنه (**)؛ أما الأسباب التي تجعلهم يرغبون في إضافة طفل آخر إلى العائلة فهي ثلاثة: كونهم يشعرون بالسعادة لحضوره في العائلة‘ يساهم الطفل فيما بعد في دخل العائلة و يحتاجه الآباء في شيخوختهم؛ هذه الامتيازات يقابلها كلفة الطفل فيما يخص السهر عليه و توفير المأكل و الملبس له و فقدان بعض الامتيازات ( فقدان فرص الشغل عند أمهات الأطفال الصغار‘ عدم الدخل خلال فترة الحمل‘ انخفاض التسلق الاجتماعي للأسرة)؛ بينما في اقتصاد المعاش لا يكلف الطفل أكثر مما ينتج‘ بل العكس‘ غير أن هذه الكلفة تبدأ في التغير مع تطور الاقتصاد في اتجاه يشجع على تقليص حجم الأسرة.
    من ركائز التطور الاقتصادي عدم تشغيل الأحداث و تخفيض أجورهم في حالة تشغيل بعضهم‘ و ضمان الزيادة في أجور العمال مع تقدم السن‘ و ارتفاع كلفة الأطفال المباشرة و الغير مباشرة‘ و المحافظة على البقاء بفضل تحسن الدخل‘ و الانخفاض السريع لوفيات الأطفال و الشيوخ‘ و توزيع الشغل بحسب التخصص و حسب تقسيم العمل؛ هذه الحوافز التي تروم تقليص الخصوبة لا تظهر في المراحل الأولى للتنمية : بعد حدوث التحول تنخفض الوفيات بفعل ارتفاع الدخل‘ غير أنه من الممكن أن تبقى الخصوبة على مستواها المرتفع و لا تبدأ في التراجع إلاّ بعد حين و بفارق زمني مع انخفاض الوفيات؛ أما إذا كان التحول غير كاف‘ فإن الخصوبة لا تنخفض بتاتا و يتأثر الاقتصاد بانخفاض الدخل نظرا للتزايد السريع في السكان و هو ما يؤدي إلى الركود في الاقتصاد. و إذن يعزى انخفاض الخصوبة و تقلص التزايد السكاني إلى حدوث تحول في المجتمع يصبح معه من غير المشجع إضافة طفل آخر إلى العائلة نظرا لارتفاع كلفة الطفل‘ و يتجه الاقتصاد صوب التنمية عندما تتغلب العوامل التي تؤدي إلى الرفع من الدخل على العوامل التي تحد منه (280).
    (**) في المجتمعات التقليدية حيث الأسرة الممتدة تكون إستراتيجية العائلة إستراتيجية اقتصادية بالأساس و يساهم الأطفال في الوحدات الفلاحية الصغيرة لآبائهم بوصفهم مساعدون عائليون لا يتقاضون أي أجر على ذلك أو في الشغل خارج البيت و المساهمة في تكوين رأسمال العائلة‘ كما أن الأطفال ذكورا و إناثا يساهمون في جلب القوة و المال و الجاه إلى العائلة أما في العائلات النووية تتلاشى سلطة الآباء التقليدية و تتغير العلاقة بينهم و بين الأطفال لتصبح علاقة قائمة على الكيف و ليس على الكم.
     
    116. وضع نيلسون نموذجا مماثلا لنموذج ليبنشتاين و لكن لا يتوفر على عدد كبير من المتغيرات السكانية. برأيه لا تستطيع العديد من البلدان القليلة النمو الخروج من المأزق الذي يعاني منه مستوى تطورهم الاقتصادي و الذي يتميز أو يكاد بحد أدنى من الدخل. يكون تكوين الرأسمال ضعيفا في حالة استمرار السكان في التزايد على نفس الوتيرة و هو ما يحول دون الزيادة في الرأسمال المستثمر لكل عامل. يقوم نموذج نيلسون على ثلاث فرضيات: الدخل‘ الاستثمار و التزايد السكاني. هذا النموذج لا يصلح سوى على المدى القريب و هو لا يأخذ بعين الاعتبار تطور معدل الولادة و يفسر التزايد السكاني بأنه ناجم فقط عن الوفيات التي هي بدورها مرتبطة بالدخل الفردي في حدود معينة بحيث عندما يصل الدخل إلى مستوى معين يتوقف تأثيره على الوفيات. افترض نيلسون أن الإنتاج هو وظيفة للرأسمال الاجتماعي بما في ذلك الأرض و السكان و أبرز أن الدخل الفردي المتوسط لا يمكن أن يرتفع إلا ّ إذا كان معدل تكوين الرأسمال يفوق معدل التزايد السكاني بحيث عندما يكون حجم الرأسمال ضعيفا لا تكون له آثار مستدامة على ارتفاع الدخل لأن كل ارتفاع في الدخل سرعان ما يذوب في التزايد السكاني‘  و بالتالي يكمن الحل في الخروج من المأزق بمدى توفر قدر كبير من تكوين الرأسمال (281).

    117. يقدم النموذج الثنائي القطاعين الذي وضعه يورغنسن  تأويلا مختلفا للتنمية الاقتصادية و دور السكان. يفترض هذا النموذج وجود قطاعين اقتصاديين – القطاع العصري و تمثله الصناعة التحويلية‘ و القطاع المتخلف و تمثله الأنشطة الفلاحية أو التقليدية – ‘ حيث اختلاف وظيفة الإنتاج؛ تكون المردودية تراجعية في الفلاحة و ثابتة في الصناعة‘ ويعرف القطاعين معا تغيرات تقنية قارة أو محايدة. يحدد تكوين الرأسمال  تزايد الساكنة النشيطة في الصناعة التحويلية و التبادل التجاري بين القطاعين و قانون مالتوس في السكان. و بتعبير أدق‘ يكون التزايد السكاني مشروطا بوفرة المواد الغذائية لكل شخص و بتأثير الوفيات على اعتبار أن هذه الأخيرة مكتسبة و لا يحد منها سوى التقدم الطبي.أما معدل الولادة فهو مرتبط بالمواد الغذائية المتاحة و لكنه قد يصل إلى مستواه البيولوجي أو الاجتماعي الأقصى في حالة عدم تحقيق الاكتفاء الغذائي. درس يورغنسن حالة وجود قطاع فلاحي فقط و ميز بين وضعيتين للتزايد السكاني واحدة قصوى و أخرى دونها ترتبط بالدخل ليكشف الغطاء عن الظروف التي تُظهر المأزق الذي يخلقه مستوى منخفض للتوازن بحيث لا يمكن الخروج منه في حالة تراجع المردودية إلا ّ إذا   تم إدخال تقنيات جديدة  أو اتخاذ تدابير للحد من النسل.  اعتبارا لذلك‘ عندما يتصاعد الإنتاج الفردي ينجم عنه فائضا في الإنتاج الفلاحي و يصبح ممكنا تطوير قطاع الصناعة التحويلية؛ يصل التزايد السكاني إلى معدله الأقصى و موازاة مع ذلك يتزايد الرأسمال و الإنتاج في غياب أي تقدم تقني. يخلص يورغنسن إلى نتيجة مفادها أن الفيصل بين  الاقتصاد الذي هو في مأزق و الاقتصاد القادر على النمو المستمر يكمن في القدرة على الحصول على فائض فلاحي شريطة أن تتقدم التقنية بشكل سريع يتيح محو الآثار السلبية للمردودية التراجعية و للتزايد السكاني السريع (282).

    118. تقوم مقاربة هاغن لنظريته السكانية على إبراز ثلاث نماذج للتزايد السكاني: تزايد قوي نتيجة ارتفاع معدل الولادة و انخفاض معدل الوفيات بفعل عوامل خارجية كتحسن الصحة العمومية؛ تزايد قوي نتيجة ارتفاع معدل الولادة و انخفاض معدل الوفيات بفعل ارتفاع الدخل و مسيرة التقدم التقني؛ و تزايد ضعيف نتيجة انخفاض معدلات الولادة و  الوفيات‘ مع ارتفاع طفيف لمعدل الولادة كما  لوحظ ذلك في البلدان النامية. يؤكد هاغن في نموذجه هذا على  الدور الذي يقوم به التقدم التقني و يعطي افتراضين بشأن الخصوبة: يرتكز الافتراض الأول على آثار مستوى المعيشة  بحيث تنخفض الخصوبة بعد تحقيق مستوى معين من الدخل‘ أما الافتراض الثاني فهو يرتكز على الرغبة في المحافظة على استمرارية العائلة بحيث معدل الوفيات يحدده معدل الولادة طالما أن الثاني يتكيف مع الأول لأن الآباء  غالبا ما ينجبون طفلين قادرين بدورها على تكوين عائلة؛ على المستوى البعيد يبقى‘ و الحالة هذه‘ معدل التزايد السكاني ضعيفا نسبيا و لكن ايجابيا؛ غير أن الرغبة في إنجاب طفلين فقط لا تستند إلى سبب معقول بل هي غريزية و ينتج عن ذلك حصول فارق   زمني بين انخفاض الوفيات و انخفاض الخصوبة؛ يختلف هذا الفارق الزمني مع سرعة و درجة انخفاض معدل الوفيات و يمكن أن يكون بفارق 15 سنة أو حتى بفارق عدد من الأجيال. أما آثار انخفاض معدل الوفيات بفعل عوامل خارجية في اقتصاد المعاش كما هو الشأن بالنسبة للعديد من البلدان السائرة في طريق النمو يمكن أن تعود بالدخل الفردي إلى مستوى أقل من مستوى المعاش لأن إدخال و تحسين التدابير الطبية  و الصحية يساعد السكان على التوالد حتى في حالة تدني  الدخل إلى أبعد حد‘ فتدخل بذلك الآليات المالتوسية التقليدية على الخط (***)؛ عندما يكون مستوى الاقتصاد دون مستوى المعاش يتزايد السكان و ينخفض الدخل الفردي تدريجيا إلى أن يصبح مستوى المعاش أقل من المستوى القديم بحيث لا يكون التقدم التقني كافيا لامتصاص آثار انخفاض معدل الوفيات الناجم عن عوامل خارجية‘ بيد أنه كان كافيا  تفادي انخفاض الدخل الفردي و تباعا لذلك  حدوث تقلص في معدل الولادة (283).

    119. فيما يتعلق بالسكان في البلدان السائرة في طريق النمو طرح هيرشمان مجموعة من الأفكار التي تختلف عن باقي المؤلفين؛ لم يقدم هذا المؤلف نظرية فعلية للسكان ‘ غير أنه اعتبر الضغط السكاني محركا للتنمية  و قدم اقتراحين: الاقتراح الأول هو أن الضغط السكاني على مستوى المعيشة يثير عدة أنشطة يتم تصورها بهدف المحافظة على مستوى المعيشة التقليدي أو إعادة التوازن إليه؛ الاقتراح الثاني هو أن هذه الأنشطة تخلق قدرات متصاعدة للتحكم في البيئة و لتنظيم المجتمع من أجل تحقيق التنمية‘ و هو ما يؤدي بلا شك إلى نتائج ايجابية في حالة وجود إمكانية لتحسين الوضعية أو كما يقول هيرشمان التخلف هو وضعية حيث اليد العاملة‘ الرأسمال‘ روح المقاولة‘ الخ‘موجودون بقوة و لكن يفتقرون إلى التعبئة اللازمة. يبقى الضغط السكاني في نظره من الآليات الأقل إغراءا و يعتبره مع ذلك  محفزا للقوى التي تريد أن تفرض نفسها في ميدان التنمية (284).

    (***)أصبحت  النظرية المالتوسية متجاوزة في البلدان الصناعية و الما -  بعد صناعية و أنها لا تزال تنطبق في نظر البعض على البلدان السائرة في طريق النمو حيث معدل النمو الطبيعي للسكان يفوق معدل التنمية الاقتصادية‘ و خاصة نظرا لندرة الموارد الطبيعية سواء كانت هذه الندرة فعلية ‘ كما هو الشأن في الماء إذا ما لم تتغير طرق استهلاكه  – و هذا يمتد حاليا إلى جميع بلدان العالم التي أصبحت تعيش في مديونية تجاه هذه الموارد – أو ناجمة عن ضعف التطور التكنولوجي الذي يسمح باستغلال الموارد‘ بما في ذلك الموارد المتجددة.

    غير أن العديد من الدراسات الآنية تركز على الامتيازات التي يعرضها التزايد السكاني و التي تتمثل في نمو نسبة الشباب  القادرة على الإبداع و على الابتكار خاصة في حالة ضعف نسبة الكهول و هو ما يعني صرف النفقات المخصصة لهم إلى إقامة مشاريع اقتصادية لصالح الشباب مدرة للدخل‘ و في تداخل الاقتصاديات العالمية و هو ما يستوجب اعتماد البلدان  التي تشكو من التناقص السكاني على الهجرة القادمة من البلدان السائرة في طريق النمو و كذلك تشجيع حركة اللاتموقع الاقتصادي بحيث تصدر البلدان الصناعية معاملها إلى البلدان حيث وفرة اليد العاملة خاصة و أن الطلب على السلع الاستهلاكية  يحفز العرض و بالتالي يزيد من الطلب على السلع الإنتاجية.

    من جهة أخرى تتجه منحنيات السكان على الصعيد العالمي خلال القرن الحالي إلى حدوث تغيرات مهمة في بنية الأعمار للسكان و بارتباط معها في بنية الاستهلاك و الإنتاج بحيث من المنتظر أن تظهر خدمات جديدة لصالح نسبة الشيوخ التي ستتكاثر على المستوى العالمي و لم تعد تقتصر فقط على البلدان النامية و إنما أيضا على عدد كبير من البلدان السائرة في طريق النمو التي أنجزت أو تكاد تجربة مرحلة النمو الانتقالي و بخاصة على المستوى الصحي‘ كذلك الشأن بالنسبة لصحة الأم الإنجابية و صحة الطفل بتشارك مع المنظمات العالمية؛ في حين يسمح التطور التكنولوجي للفئات الواسعة من الشباب بالتكيف السريع مع العولمة و بروز حاجيات جديدة يتحمسون لإشباعها.

    تقدمت المعارف و الخبرة في مجال علم السكان منذ بدايته على أيدي غراونت و بيتي‘ كما ذكرنا في هذه الدراسة‘ رغم الاهتمام المتقاطع من طرف الاقتصاديين و غيرهم من المهتمين‘ و في الفترة 1950 – 1970 أعيد النظر في أولويات التطور السكاني و أصبح بالإمكان تفسير أسباب التزايد السكاني السريع نظرا للتقدم الذي أحرزت عليه النظريات السكانية و على الخصوص النظريات الجزئية التي تفسر الخصوبة و صيرورة التعمير‘ الخ.

    نشر الاتحاد العالمي للدراسة العلمية للسكان القاموس السكاني المتعدد اللغات‘ و طورت جميع البلدان معارفها الخصوصية لساكنتها بفضل المجهودات الدائبة لمنظمة الأمم المتحدة و منظمات عالمية أخرى.

    فتحت الأبواب في العديد من البلدان لتشجيع البحث العلمي و اقتحم علم السكان الجامعات و المعاهد و نشأت الحكومات مؤسسات لدراسة و تتبع الحركة السكانية و تعددت الشراكات الدولية في مجالات تهم الأحداث و الظواهر السكانية و بخاصة في مجال الهجرة الدولية و الهجرة السرية؛ في نفس الوقت تسعى فيه هذه الحكومات و برامج منظمة الأمم المتحدة و برامج منظمة اليونسكو‘ و برامج أخرى إلى دعم جهودا من طرف الحكومات في تحقيق التنمية المستدامة. و حظيت دراسات السكان من طرف العلوم الاجتماعية اهتماما متزايدا.


    في سنة 1994 عقدت الأمم المتحدة بمصر المؤتمر الدولي حول " السكان و التنمية" على خلفية الأحداث البيئية الخطيرة التي يعرفها العالم المعاصر و ناد الخبراء إلى ضرورة التحكم في الانفجار السكاني و في سنة 1999 لاحظت اللجنة المكلفة التراجع المهول في معدلات الولادة‘ بما في ذلك في الصين الشعبية‘ حيث انخفض معدل تجديد الأجيال إلى ما دون مستواه المحدد و هو 2,1 % و أشارت إلى خطر التراجع السكاني السريع‘ نفس الشيء يلاحظ في البلدان النامية " المستقرة" سكانيا.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:44 pm