منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    مستقبليات مغرب 2030 ‘ أي وضع سكاني؟

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    مستقبليات مغرب 2030 ‘ أي وضع سكاني؟

    مُساهمة  عمرو قضاض في الإثنين أغسطس 19, 2013 12:07 pm





    صدر مؤخرا عن المندوبية السامية للتخطيط بالمملكة المغربية كتابا تحت عنوان " مستقبليات مغرب 2030‘ أي وضع سكاني؟" و هو عمل علمي يقوم على منهجية "المسقبليات السكانية"الذي  يروم استكشاف مستقبل المغرب السكاني في أفق 2030 بعد انجاز المغرب لمرحلة نموه السكاني الانتقالي و يضع الأصبع على التحديات الكبرى التي عليه أن يرفعها.
    يتكون الكتاب من جزأين: الأول يدرس المحددات الاجتماعية – الاقتصادية للتطور السكاني من 1960 إلى 2006 و الثاني يقدم المنحنيات المستقبلية لهذا التطور مبرزا عوامل التطور المستقبلي للسكان و السيناريوهات البديلة لكل من الوفيات والخصوبة و الهجرة الدولية‘ عدد الساكنة أخذا بعين الاعتبار متغيرة الهجرة‘ تركيبة السكان حسب العمر و الشغل و الضمان الاجتماعي و التهيئة الحضرية و البيئة و التعليم و الحضور الأجنبي‘ قبل أن يتناول بالتحليل المستقبل السكاني بعد المرحلة الانتقالية و أهم التحديات التي يطرحها.
    و لعل أبرز حدث من الناحية الجيو-استراتيجية هو أن المغرب الذي انخفضت فيه الخصوبة مع مطلع القرن الحالي إلى ما دون ثلاثة أطفال للمرأة لم يعد يشكل خطرا على أوروبا من حيث الهجرة السرية‘ و لكن سيواجه حتما إلى جانب أوروبا تدفق المزيد من موجات هذه الهجرة القادمة من بلدان تحت الصحراء إذ لم تتخذ هذه البلدان تدابير مهمة لتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية.
    تعتبر كلمة تقديم الكتاب التي تفضل بها السيد المندوب السامي في التخطيط و التي أترجمها هنا إلى اللغة العربية‘ مساهمة في التعريف بهذا العمل العلمي لدى القارئ العربي الفاضل‘ تسليطا للأضواء على الرهانات التي يطرحها تطور الساكنة المغربية إن على الصعيد الوطني أو الدولي. و فيما يلي نص هذه الكلمة.
    عمرو قضاض

         
    مستقبليات
    مغرب 2030



    أي وضع سكاني؟


    تقديم
    تحت إشراف صاحب الجلالة‘ بادرت المندوبية السامية للتخطيط إلى القيام بعمل فكري تستشرف فيه مستقبل المغرب السكاني في 2030 من خلال منتديات و ندوات و ورشات عمل ترتكز كلها على الدراسات و الأبحاث الميدانية و مختلف الأعمال التي أنجزتها المندوبية حول هذا الموضوع.

    بالإضافة إلى انجاز ثلاث دراسات مستقبلية قطاعية ( الطاقة‘ الفلاحة‘ السياحة) و دراسة أخرى حول خيارات النمو و التنمية البشرية على المدى المتوسط 2007 – 2015 ‘ ساهمت هذه الدراسة  حول موضوع النمو الانتقالي للسكان في تطعيم السيناريوهات الشاملة التي تتعلق بالنسق المغربي‘ ومن وراء ذلك في إثراء النقاش حول الرهانات الكبرى التي تهم مستقبل بلادنا.

    الوضع السكاني هو المرجع الذي لا بديل عنه لتحديد الحاجيات الأساسية للسكان في قطاعات التربية و الصحة و الشغل و الضمان الاجتماعي و هو أحد التوجهات أو المحددات التي تنزل بثقلها على التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لأي بلد كان‘ ربما نظرا لكون الظواهر السكانية بطبيعتها هي ظواهر تتمتع بالاستقلالية عن باقي الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية و بالجمود النسبي لتحركها في الزمن. فضلا عن ذلك‘ أصبحت هذه الظواهر تؤثر في يومنا المعاصر بشكل بالغ على العلاقات الاقتصادية و السياسية الدولية كما يظهر ذلك جليا في التشكل الجيو- استراتيجي  الجديد لعالمنا المعاصر. بهذا الخصوص يكفي التذكير بأن ساكنة العالم انتقلت من مليار نسمة سنة 1900 إلى مليارين  نسمة سنة 1950‘  قبل أن تبلغ 6,5 مليار نسمة في سنة 2005 و في حالة استقرارها بعد سنة 2030 فإنها مع ذلك ستتكّون في هذا الأفق من 8,3 مليار نسمة أي ستزداد بمليار و 800 مليون شخص حيث نسبة 97,5 %  ستكون من نصيب المناطق السائرة في طريق النمو و هو ما يعتبر حدثا بارزا في حد ذاته. يظهر بوضوح أن أصل الفوارق في الموارد البشرية على الصعيد العالمي و بالتالي الفوارق في إمكانات التنافس العالمي يكمن في كون معدلات النمو السكاني للبلدان النامية ضعيفة نسبيا و متقهقرة بينما تبقى الدينامكية السكانية  في البلدان السائرة في طريق النمو قوية بالرغم من الانخفاض الذي عرفته وتيرتها في الماضي القريب‘ و من الممكن أن تكون لهذا التطور انعكاسات خطيرة على الاستقرار الجيوسياسي لعالم اليوم و الغد.

    يوجد المغرب‘ بحكم موقعه الجغرافي‘ في قلب هذه الإشكالية التي ستطرح على هذين العالمين المتميزين بالتباين في تطورهما السكاني. من جهة من المنتظر أن تستمر أوروبا في ركودها السكاني‘ بل ستعرف انحطاطا في ساكنتها التي سيمتد فيها أمل الحياة عند الولادة من 74 سنة في 2005 إلى 79 سنة في 2030‘ و ستستمر خصوبتها في التدني عن المستوى الذي يسمح بتعويض الأجيال‘ و هو ما سيزيد  من شيخوختها. تحتاج الاقتصاديات الأوروبية لتحقيق التنافسية إلى المزيد من استقدام الهجرة إليها و بنسب مهمة أكثر فأكثر بحيث على سبيل المثال تقدر هذه الهجرة في أربع دول و هي ألمانيا‘ فرنسا‘ انجلترا و إيطاليا بسبعمائة ألف مهاجر سنويا عوض 230 ألف حاليا. من جهة أخرى ستعرف دول تحت الصحراء‘ على حدود المغرب الجنوبية‘ نموا في ساكنتها من 0,77 إلى 1,31 مليار نسمة‘ و هو ما يعادل ساكنة الصين حاليا. يتزامن هذا التزايد السكاني مع نمو مطرد في حجم الساكنة القابلة للشغل بحيث ستعرف الضفة الجنوبية لحوض البحر المتوسط بوصفها معبرا ضروريا نحو أوروبا ضغطا مهولا من طرف المهاجرين.

    رغم تجاوزه لمرحلة نموه السكاني الانتقالي الطويلة سيبقى المغرب يتحمل العبء التاريخي الثقيل لسلوك ساكنته في نفس الوقت الذي  يعرف فيه إكراها ناجما عن وضعيته الإقليمية يتمثل من جهة في شيخوخة أوروبا و فقدانها لعدد ساكنتها و لجوءها إلى استقدام الهجرة حسب معايير اصطفائية و من جهة أخرى في كون أفريقيا قارة تعاني من الفقر و من الانفجار السكاني. و بالفعل تُظهر الإسقاطات السكانية حسب المتغيرة المتوسطة للمندوبية السامية للتخطيط أن ساكنة المغرب ستنتقل من 30 مليون نسمة في 2005 إلى 38 مليون نسمة في 2030 أي بتزايد سنوي يقدر ب 300 ألف نسمة‘ و هو ما يعادل ساكنة مدينة كبرى. مع 13,5 مليون نسمة يبقى عدد الساكنة القروية شبه قار في حين تصبح السمة الرئيسية للتطور السكاني حضرية بفعل الهجرة القروية أساسا و بتحول المناطق القروية إلى مناطق حضرية بحيث سيصل معدل التعمير في 2030 إلى 64 % عوض 55 % في 2004 أي بالقيمة المطلقة 24,4 مليون نسمة مقابل 16,4 مليون نسمة على التوالي‘ و هو ما سيزيد من حدة الفقر في الحواضر.

    يصاحب هذا التطور بداية التغير في بنية الأعمار و ضمنيا استمرار الضغط على سوق الشغل بحيث ستنتقل الساكنة النشيطة ( 18 – 59 سنة) من 16,7 مليون شخص في 2005 إلى 22,6 مليون شخص في 2030 أي تطورا سنويا يقدر ب 236 ألف شخص‘ جزء من هذه الطاقة البشرية  النشيطة مزداد حاليا و حصل على التكوين الذي يسمح له بالاندماج أو لا في اقتصاد الغد الذي نحن على أبوابه.

    تزامنا مع ذلك و أخذا بعين الاعتبار التحسن الحاصل في أمل الحياة عند الولادة الذي سيمر من حوالي 72 سنة في 2004 إلى 77 سنة في 2030‘ ستتأكد شيخوخة الساكنة بحيث سينتقل عدد الأشخاص البالغين من العمر 60 سنة فما فوق من 2,4 مليون شخص في 2004 إلى 5,8 مليون شخص في 2030 ‘ بنسبة 8 إلى 15,4 % على التوالي‘ و سيتحول معدل ارتباط الشيوخ بالناشطين من 1,6 كهول في كل 10 ناشطين سنة 2005 إلى 3 كهول في كل 10 ناشطين سنة 2030؛ هذا التوجه يمكن أن يؤدي إلى الهشاشة و الفقر في وسط الكهول خاصة بالنسبة لأولئك الذين لا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية.

    على كل حال‘ يمكن للمغرب أن يستفيد من النتائج العديدة لانتقاله السكاني التي يسببها انخفاض حصة الشباب في ساكنته بحيث سينخفض عدد الأطفال في الفئة العمرية 0 إلى 15 سنة من 8 ملايين طفل في 2005 إلى ما يقرب من 7 ملايين طفل في 2030 ‘ أي انخفاض في الثقل السكاني لهؤلاء من 30  إلى 21 % على التوالي؛ نفس الشيء يجري على نسبة الساكنة القابلة للتمدرس‘ من التعليم الأولي إلى التعليم العالي‘ التي تمثلها الفئة العمرية 3 – 22 سنة و التي ستنخفض من 42 إلى 28,6 % على التوالي‘ و هو ما يتيح الفرصة إلى مراجعة نظام التربية و التأهيل.

    من الممكن أن تتحقق هذه المنحنيات بشكل حاد تقريبا في حالة ابتعاد مقاصد محددات الدينامكية السكانية و بخاصة الخصوبة و الهجرة عن مقاصد توجهاتها  المتوقعة‘ ذلك أن "مستقبليات مغرب 2030‘ أي وضع سكاني؟" موضوع هذا التقرير يحاول أن يبرز هذه المنحنيات ‘ باعتماده منهجية "التوقعات السكانية" ذات الطابع الإرادي و المرتكزة أساسا  على التطور المقبل للخصوبة و الهجرة الدولية و عن مقاربة مبنية على الدراسة التاريخية و الدولية لخزان التجارب السكانية حسب منطق  نظرية "النمو الانتقالي للسكان" و المشتقة التابعة لها " الهجرة الانتقالية".

    تمت صياغة هذه الدراسة‘ التي حاولت إبراز التحديات المستقبلية الكبرى التي يطرحها النمو الانتقالي للسكان‘ بناءا على نتائج أبحاث ميدانية أنجزت في المغرب‘ و نخص بالذكر الأبحاث التي أنجزت في إطار الإحصاء العام للسكان و السكن في 2004 ‘ مختلف الأعمال المتعلقة بمستقبليات مغرب 2030 التي باشرتها المندوبية السامية للتخطيط و الدراسات السكانية التي أنجزها مركز الدراسات و البحوث السكانية. و تعتبر هذه الدراسة ثمرة الجهود التي بذلها السُكّانيون و الإحصائيون و الاقتصاديون المنتمون إلى هذه المؤسسات‘ كما أنها حظيت بدعم السيد جون كلود شيسني و هو أحد أخصائيي النمو الانتقالي للسكان الذي أفادنا بدرايته  الواسعة بالتجارب الدولية في هذا المجال. اسمحوا لي بتشجيع  الفئة الأولى عن التعبة و الكفاءة التي برهنت عليهما‘ و الثاني على  مشاعر الصداقة و التعاطف التي ما فتئ يكنها لبلدنا و لأنشطتنا خلال تعاونه مع مصالحنا الإدارية. أغتنم أيضا هذه الفرصة للتقدم بالشكر إلى برنامج الأمم المتحدة للتنمية و صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية على المساهمة المالية التي قدماها  لنا لانجاز هذه الدراسة في إطار شراكة متعددة الجوانب و ذات مستوى عال نحن سعداء بعقدها.

    أحمد لحليمي العلمي
    المندوب السامي في التخطيط

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:42 pm