منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    مستقبليات مغرب 2030: أية ديمغرافية؟

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    مستقبليات مغرب 2030: أية ديمغرافية؟

    مُساهمة  عمرو قضاض في السبت ديسمبر 14, 2013 5:21 am


    صدر عن المندوبية السامية للتخطيط بالمملكة المغربية كتابا تحت عنوان " مستقبليات مغرب 2030‘ أي وضع سكاني؟" و هو عمل علمي يقوم على منهجية "المسقبليات السكانية"الذي  يروم استكشاف مستقبل المغرب السكاني في أفق 2030 بعد انجاز المغرب لمرحلة نموه السكاني الانتقالي و يضع الأصبع على التحديات الكبرى التي عليه أن يرفعها.

    يشرفني أن أنقل في هذا المنتدى إلى القارئ العربي حاليا قراءة لجزء من هذا الكتاب باللغة العربية’ و لا يعني هذا أنه ترجمة رسمية صادرة عن المؤسسة التي تملك الحق الفكري في ذلك’ وإنما هو عمل شخصي لا غير لفهم الكتاب باللغة العربية و بالله التوفيق.

    يتكون الكتاب من جزأين: الأول يدرس المحددات الاجتماعية – الاقتصادية للتطور السكاني من 1960 إلى 2006 و الثاني يقدم المنحنيات المستقبلية لهذا التطور مبرزا عوامل التطور المستقبلي للسكان و السيناريوهات البديلة لكل من الوفيات والخصوبة و الهجرة الدولية‘ عدد الساكنة أخذا بعين الاعتبار متغيرة الهجرة‘ تركيبة السكان حسب العمر و الشغل و الضمان الاجتماعي و التهيئة الحضرية و البيئة و التعليم و الحضور الأجنبي‘قبل أن يتناول بالتحليل المستقبل السكاني بعد المرحلة الانتقالية و أهم التحديات التي يطرحها.
    و لعل أبرز حدث من الناحية الجيو-استراتيجية هو أن المغرب الذي انخفضت فيه الخصوبة مع مطلع القرن الحالي إلى ما دون ثلاثة أطفال للمرأة لم يعد يشكل خطرا على أوروبا من حيث الهجرة السرية‘ و لكن سيواجه حتما إلى جانب أوروبا تدفق المزيد من موجات هذه الهجرة القادمة من بلدان تحت الصحراء إذ لم تتخذ هذه البلدان تدابير مهمة لتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية. من جهة أخرى أصبحت الهجرة إلى المغرب’ خاصة من بلدان جنوب الصحراء’ واقعا فعليا ضمن سيرورة معقدة للهجرة الدولية السرية’ و هو ما تطلب النظر في سن سياسة هجروية جديدة وفق مبادئ حقوق الانسان...

    تعتبر كلمة تقديم الكتاب التي تفضل بها السيد المندوب السامي في التخطيط و التي أترجمها هنا إلى اللغة العربية‘ مساهمة في التعريف بهذا العمل العلمي لدى القارئ العربي الفاضل‘ تسليطا للأضواء على الرهانات التي يطرحها تطور الساكنة المغربية إن على الصعيد الوطني أو الدولي. و فيما يلي نص هذه الكلمة.
    عمرو قضاض


    مستقبليات
    مغرب 2030
    أية ديمغرافية؟




    تقديم


    تحت إشراف صاحب الجلالة‘ بادرت المندوبية السامية للتخطيط إلى القيام بعمل فكري تستشرف فيه مستقبل المغرب السكاني في 2030 من خلال منتديات و ندوات و ورشات عمل ترتكز كلها على الدراسات و الأبحاث الميدانية و مختلف الأعمال التي أنجزتها المندوبية حول هذا الموضوع.

    بالإضافة إلى انجاز ثلاث دراسات مستقبلية قطاعية ( الطاقة‘ الفلاحة‘ السياحة) و دراسة أخرى حول خيارات النمو و التنمية البشرية على المدى المتوسط 2007 – 2015 ‘ ساهمت هذه الدراسة  حول موضوع النمو الانتقالي للسكان في تطعيم السيناريوهات الشاملة التي تتعلق بالنسق المغربي‘ ومن وراء ذلك في إثراء النقاش حول الرهانات الكبرى التي تهم مستقبل بلادنا.                                                    

    الوضع السكاني هو المرجع الذي لا بديل عنه لتحديد الحاجيات الأساسية للسكان في قطاعات التربية و الصحة و الشغل و الضمان الاجتماعي و هو أحد التوجهات أو المحددات التي تنزل بثقلها على التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لأي بلد كان‘ ربما نظرا لكون الظواهر السكانية بطبيعتها هي ظواهر تتمتع بالاستقلالية عن باقي الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية و بالجمود النسبي لتحركها في الزمن. فضلا عن ذلك‘ أصبحت هذه الظواهر تؤثر في يومنا المعاصر بشكل بالغ على العلاقات الاقتصادية و السياسية الدولية كما يظهر ذلك جليا في التشكل الجيو- استراتيجي  الجديد لعالمنا المعاصر. بهذا الخصوص يكفي التذكير بأن ساكنة العالم انتقلت من مليار نسمة سنة 1900 إلى مليارين  نسمة سنة 1950‘  قبل أن تبلغ 6,5 مليار نسمة في سنة 2005 و في حالة استقرارها بعد سنة 2030 فإنها مع ذلك ستتكّون في هذا الأفق من 8,3 مليار نسمة أي ستزداد بمليار و 800 مليون شخص حيث نسبة 97,5 %  ستكون من نصيب المناطق السائرة في طريق النمو و هو ما يعتبر حدثا بارزا في حد ذاته. يظهر بوضوح أن أصل الفوارق في الموارد البشرية على الصعيد العالمي و بالتالي الفوارق في إمكانات التنافس العالمي يكمن في كون معدلات النمو السكاني للبلدان النامية ضعيفة نسبيا و متقهقرة بينما تبقى الدينامكية السكانية  في البلدان السائرة في طريق النمو قوية بالرغم من الانخفاض الذي عرفته وتيرتها في الماضي القريب‘ و من الممكن أن تكون لهذا التطور انعكاسات خطيرة على الاستقرار الجيوسياسي لعالم اليوم و الغد.                          

    يوجد المغرب‘ بحكم موقعه الجغرافي‘ في قلب هذه الإشكالية التي ستطرح على هذين العالمين المتميزين بالتباين في تطورهما السكاني. من جهة من المنتظر أن تستمر أوروبا في ركودها السكاني‘ بل ستعرف انحطاطا في ساكنتها التي سيمتد فيها أمل الحياة عند الولادة من 74 سنة في 2005 إلى 79 سنة في 2030‘ و ستستمر خصوبتها في التدني عن المستوى الذي يسمح باستبدال الأجيال‘ و هو ما سيزيد  من شيخوختها. تحتاج الاقتصاديات الأوروبية لتحقيق التنافسية إلى المزيد من استقدام الهجرة إليها و بنسب مهمة أكثر فأكثر بحيث على سبيل المثال تقدر هذه الهجرة في أربع دول و هي ألمانيا‘ فرنسا‘ انجلترا و إيطاليا بسبعمائة ألف مهاجر سنويا عوض 230 ألف حاليا. من جهة أخرى ستعرف دول تحت الصحراء‘ على حدود المغرب الجنوبية‘ نموا في ساكنتها من 0,77 إلى 1,31 مليار نسمة‘ و هو ما يعادل ساكنة الصين حاليا. يتزامن هذا التزايد السكاني مع نمو مطرد في حجم الساكنة القابلة للشغل بحيث ستعرف الضفة الجنوبية لحوض البحر المتوسط بوصفها معبرا ضروريا نحو أوروبا ضغطا مهولا من طرف المهاجرين.                                        

    رغم تجاوزه لمرحلة نموه السكاني الانتقالي الطويلة سيبقى المغرب يتحمل العبء التاريخي الثقيل لسلوك ساكنته في نفس الوقت الذي  يعرف فيه إكراها ناجما عن وضعيته الإقليمية يتمثل من جهة في شيخوخة أوروبا و فقدانها لعدد ساكنتها و لجوءها إلى استقدام الهجرة حسب معايير اصطفائية و من جهة أخرى في كون أفريقيا قارة تعاني من الفقر و من الانفجار السكاني. و بالفعل تُظهر الإسقاطات السكانية حسب المتغيرة المتوسطة للمندوبية السامية للتخطيط أن ساكنة المغرب ستنتقل من 30 مليون نسمة في 2005 إلى 38 مليون نسمة في 2030 أي بتزايد سنوي يقدر ب 300 ألف نسمة‘ و هو ما يعادل ساكنة مدينة كبرى. مع 13,5 مليون نسمة يبقى عدد الساكنة القروية شبه قار في حين تصبح السمة الرئيسية للتطور السكاني حضرية بفعل الهجرة القروية أساسا و بتحول المناطق القروية إلى مناطق حضرية بحيث سيصل معدل التعمير في 2030 إلى 64 % عوض 55 % في 2004 أي بالقيمة المطلقة 24,4 مليون نسمة مقابل 16,4 مليون نسمة على التوالي‘ و هو ما سيزيد من حدة الفقر في الحواضر.      

    يصاحب هذا التطور بداية التغير في بنية الأعمار و ضمنيا استمرار الضغط على سوق الشغل بحيث ستنتقل الساكنة النشيطة ( 18 – 59 سنة) من 16,7 مليون شخص في 2005 إلى 22,6 مليون شخص في 2030 أي تطورا سنويا يقدر ب 236 ألف شخص‘ جزء من هذه الطاقة البشرية  النشيطة مزداد حاليا و حصل على التكوين الذي يسمح له بالاندماج أو لا في اقتصاد الغد الذي نحن على مشارفه.        

    تزامنا مع ذلك و أخذا بعين الاعتبار التحسن الحاصل في أمل الحياة عند الولادة الذي سيمر من حوالي 72 سنة في 2004 إلى 77 سنة في 2030‘ ستتأكد شيخوخة الساكنة بحيث سينتقل عدد الأشخاص البالغين من العمر 60 سنة فما فوق من 2,4 مليون شخص في 2004 إلى 5,8 مليون شخص في 2030 ‘ بنسبة 8 إلى 15,4 % على التوالي‘ و سيتحول معدل ارتباط الشيوخ بالناشطين من 1,6 كهول في كل 10 ناشطين سنة 2005 إلى 3 كهول في كل 10 ناشطين سنة 2030؛ هذا التوجه يمكن أن يؤدي إلى الهشاشة و الفقر في وسط الكهول خاصة بالنسبة لأولئك الذين لا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية.                                                            

    على كل حال‘ يمكن للمغرب أن يستفيد من النتائج العديدة لانتقاله السكاني التي يسببها انخفاض حصة الشباب في ساكنته بحيث سينخفض عدد الأطفال في الفئة العمرية 0 إلى 15 سنة من 8 ملايين طفل في 2005 إلى ما يقرب من 7 ملايين طفل في 2030 ‘ أي انخفاض في الثقل السكاني لهؤلاء من 30  إلى 21 % على التوالي؛ نفس الشيء يجري على نسبة الساكنة القابلة للتمدرس‘ من التعليم الأولي إلى التعليم العالي‘ التي تمثلها الفئة العمرية 3 – 22 سنة و التي ستنخفض من 42 إلى 28,6 % على التوالي‘ و هو ما يتيح الفرصة إلى مراجعة نظام التربية و التأهيل.                    

    من الممكن أن تتحقق هذه المنحنيات بشكل حاد تقريبا في حالة ابتعاد مقاصد محددات الدينامكية السكانية و بخاصة الخصوبة و الهجرة عن مقاصد توجهاتها  المتوقعة‘ ذلك أن "مستقبليات مغرب 2030‘ أية ديمغرافية؟" موضوع هذا التقرير يحاول أن يبرز هذه المنحنيات ‘ باعتماده منهجية "التوقعات السكانية" ذات الطابع الإرادي و المرتكزة أساسا  على التطور المقبل للخصوبة و الهجرة الدولية و عن مقاربة مبنية على الدراسة التاريخية و الدولية لخزان التجارب السكانية حسب منطق  نظرية "النمو الانتقالي للسكان" و المشتقة التابعة لها " الهجرة الانتقالية".                          

    تمت صياغة هذه الدراسة‘ التي حاولت إبراز التحديات المستقبلية الكبرى التي يطرحها النمو الانتقالي للسكان‘ بناءا على نتائج أبحاث ميدانية أنجزت في المغرب‘ و نخص بالذكر الأبحاث التي أنجزت في إطار الإحصاء العام للسكان و السكن في 2004 ‘ مختلف الأعمال المتعلقة بمستقبليات مغرب 2030 التي باشرتها المندوبية السامية للتخطيط و الدراسات السكانية التي أنجزها مركز الدراسات و البحوث السكانية. و تعتبر هذه الدراسة ثمرة الجهود التي بذلها الديمغرافيون و الإحصائيون و الاقتصاديون المنتمون إلى هذه المؤسسات‘ كما أنها حظيت بدعم من السيد جان كلود شيسني و هو أحد أخصائيي النمو الانتقالي للسكان الذي أفادنا بدرايته  الواسعة بالتجارب الدولية في هذا المجال. اسمحوا لي بتشجيع  الفئة الأولى عن التعبة و الكفاءة التي برهنت عليهما‘ و الثاني على  مشاعر الصداقة و التعاطف التي ما فتئ يكنها لبلدنا و لأنشطتنا خلال تعاونه مع مصالحنا الإدارية. أغتنم أيضا هذه الفرصة للتقدم بالشكر إلى برنامج الأمم المتحدة للتنمية و صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية على المساهمة المالية التي قدماها  لنا لانجاز هذه الدراسة في إطار شراكة متعددة الجوانب و ذات مستوى عال نحن سعداء بعقدها.                                                                  

    أحمد لحليمي علمي
    المندوب السامي للتخطيط  
           

       



    ماضوية (1960 – 2006)
    و المحددات الاجتماعية - الاقتصادية


    أ – حركة السكان


    1. تحليل تاريخي عام  
    طبع ماضي التطور السكاني نموا قويا انطلاقا من الستينيات من القرن العشرين صاحبته بالضرورة إكراها ت بنيوية حالت دون تحقيق النتائج المرجوة لصيرورة التنمية.            

    بداية‘ نعيد رسم الطريق الذي سلكته ساكنة المغرب مند مطلع القرن الأخير‘ علما بأن تقديرات السكان قبل هذا التاريخ لا ترقى إلى مستوى الدقة العلمية المطلوبة.                          


    يظهر أن ساكنة المغرب كانت تقدر سنة 1900 ب 5 ملايين نسمة تقريبا فقط؛ في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي تجاوزت 10 ملايين نسمة و زادت عن 20 مليون نسمة سنة 1981‘ لتصل سنة 2005 إلى 30 مليون نسمة. يعبر هذا التطور على المنحى الكلاسيكي للتزايد السكاني الانتقالي.                                                    

    إلى غاية منتصف القرن العشرين كان التزايد السكاني بطيء السرعة قبل أن ينفجر في الخمسينيات من القرن الماضي حيث بلغ ذروته في الفترة 1952 - 1960 مسجلا سنويا 3,3 % كمعدل للنمو الطبيعي‘ و هو ما صنف المغرب‘ إلى جانب البرازيل و مصر‘ و المكسيك  في خانة البلدان ذات الانتقال السكاني "العالي".                                          

    حطم المكسيك القياس العالمي في الفترة 1950 – 1970 حيث سجل سنويا 3,5 % كمعدل متوسط للتزايد السكاني‘ أي ضعف ساكنته في ظرف 20 سنة فقط. بالرغم من الدينامكية التي عرفها اقتصاده لم يكن بوسع هذا البلد مجابهة إكراه سكاني من هذا الحجم؛ و سارعت الحكومة إلى تغيير الدستور بهدف إرساء برنامج التخطيط العائلي ( وهو ما لم يكن من السهل بمكان لولا مكسب فصل الكنيسة عن الدولة منذ مطلع القرن العشرين).                                                      

    عرف المغرب في البداية مرحلة تباطؤ مترددة قبل أن تنطلق بسرعة سنة 1994. يبدو اليوم من الوهلة الأولى أن معدل التزايد السكاني قد انحصر في 1,1 %‘ راجعا بذلك إلى مستوى السرعة التي سجلتها الفترة 1912 – 1936‘ على الرغم من كون بنية الأعمار بنية شابة. يبدو أن هذه الظاهرة مرتبطة بثلاث عوامل: الانخفاض السريع و الغير عادي للخصوبة‘ التقلص الوارد في تقدم أمل الحياة و أخيرا الحصيلة السلبية للهجرة الخارجية.                                

    لكن ينبغي أن لا يغيب عن الذهن الاندفاع السكاني المتواجد بداخل هرم الأعمار بحيث أن ارتفاع الخصوبة في وقت معين يضاعف بعد 15 إلى 35 سنة من عدد أولئك الذين بإمكانهم أن يصبحوا أباءا و يضخم بعد 20 سنة من عدد المرشحين القادرين على الشغل.                                                

    أدى الاندفاع السكاني‘ سابقا و حديثا‘ و أيضا النمو الانتقالي للسكان إلى إحراز تقدم مواز للساكنة القادرة على الشغل و للأشخاص المسنين‘ و ذلك بالأرقام المطلقة و النسبية.  من المنتظر أن تستمر نسب هذه الفئات من السكان في الارتفاع في السنوات القادمة نظرا لتقلص حصة الشباب الناجم أساسا عن انخفاض الخصوبة. ستنعكس هذه التحولات بقوة من جهة على سوق الشغل‘ و من جهة أخرى على نظام الضمان الاجتماعي. و هكذا فإن التحكم النسبي في الوضع السكاني المغربي لا يعني زوال الضغط السكاني نهائيا.                  

    اعتبارا لضيق النظام الاقتصادي في حل معضلة البطالة و لكون هذه الأخيرة بنيوية' فإن صعود فئات الراشدين ينطوي على مخاطر تصعيد التوتر الاجتماعي. فضلا عن ذلك‘ بالرغم من تباطؤ  وتيرة الشيخوخة في البنية العمرية فإن التطور العددي السريع للمسنين قد يزيد من هشاشة التوازن المالي في أنظمة التقاعد و الضمان الاجتماعي و في متحملات النظام الصحي.                                            

    يحصل ضغط متزايد و قوي على سوق الشغل بفعل التفوق العددي الكبير للمقبلين على الشغل على المتقاعدين كما أن   صناديق التقاعد هي شبه غائبة و هو ما لا يشجع على المغادرة النهائية للشغل و أخيرا ليست هناك ملائمة بين القطاعات المعنية بالمغادرة ( الأنشطة التقليدية) و القطاعات المعنية بالاستقبال ( الأنشطة الصاعدة).                          

    2. الوفيات
    لا نعلم المجرى الذي تتبعه الوفيات نظرا للقصور الذي يعرفه تسجيلها حاضرا و بالأحرى في الماضي بحيث نجد أنفسنا مضطرين إلى تقييمها بواسطة التقنيات الغير المباشرة أو إلى الاكتفاء بالملاحظة البسيطة لتسارع وتيرة النمو السكاني.        

    تشير المعلومات المدونة بشأنها إلى وجود فترات من الجفاف و المجاعة و الأوبئة الخطيرة كالطاعون و الأمراض المعدية و الطفيلية كالكوليرا التي تظهر من حين لآخر (1). تباعا لذلك‘ يمكن تكوين فكرة على مدة الحياة الجارية في العصر الذي سبق النمو الانتقالي للسكان أخذا بعين الاعتبار سنوات الكوارث - بفعل الوفيات المزعجة للأطفال- و تقديرها في حوالي 25 سنة (2).                                                  

    تقدم مسيرة الحياة المغربية ‘ 1950 – 2006 من 40 إلى 72 سنة بالمتوسط.
    في المغرب‘ حوالي 1950‘ يقدر أمل الحياة عند الولادة ب 40 سنة‘ و هذا يعني حدوث تقدم كبير مقارنة مع الظروف التاريخية التي كانت تعيشها دائما الأجيال السابقة. منذ 1950 أخذت الظروف الصحية تتحسن من عشرية إلى أخرى. ينطبق هذا بالخصوص على الوفيات التي شرعت في الانخفاض منذ بداية الستينيات من القرن الماضي‘ محققة ربحا في أمل الحياة يقارب 25 سنة ( 47 سنة في 1962 إلى ما يناهز 72 سنة في 2004 ‘ الرسم البياني 1). يشير هذا الربح في عدد سنوات الحياة المتوسطة ليس فحسب إلى تزايد عدد الأشخاص الباقون على قيد الحياة و الذين يبلغون سن الشيخوخة وإنما أيضا إلى أن الكهول يعمرون طويلا أكثر من ذي قبل. نتيجة لذلك أخذت العائلات التي تشتمل على ثلاث أجيال تتكاثر‘ موسعة بذلك إمكانيات تعايش الكهول مع مختلف أفراد العائلة المتبقين. غير أن التحولات الاقتصادية و الاجتماعية‘ بما في ذلك الحركية الجغرافية للشباب‘ الخ؛  تؤثر على مجموعة من المظاهر التي تخص الحياة العائلية    و منها التقاليد التي تسمح بالسكن المشترك بين الآباء و أبنائهم. من الممكن أن تتقوى هذه التحولات و تؤثر على  بنيات الأسرة التقليدية.                                                

    "الهند البرّاقة"
    المثال الأكثر تعبيرا هو الهند‘ بفضل جودة الأرشيف الكلونيالي البريطاني‘ الذي يفيد بأن  أمل الحياة عند الولادة في القرن التاسع عشر‘ كان في هذا البلد 20 سنة فقط‘ نظرا لسوء التغذية و تكرار الأوبئة و المجاعات‘ و نظرا أيضا للفوارق الاجتماعية الشاسعة (نظام العشائر). كان ينبغي انتظار خروج مدونة الأسرة إلى حيز الوجود لتظهر أول علامة لحدوث تغير هش و لا يكاد أن يُرى‘ لكن التحول الفعلي لم يطرأ سوى انطلاقا من عشرينيات القرن الماضي.  

    في 2006 تضاعفت في الهند "الحياة المتوسطة" ثلاث مرات مقارنة مع معيارها التاريخي (62 سنة عوض 20 سنة)‘ و يقدر معدل الوفيات في هذه السنة 58 وفاة في كل 1000 مولود يقل عمره عن عام واحد ( مقابل 400 وفاة في الألف في الهند القديمة). تقلص تأخر الهند عن المغرب بشكل سريع بحيث لا يقدر سوى ببعض عشر سنوات؛ إلا أنه ينبغي التذكير بأن الهند يمثل قاطرة التنمية العالمية. و بعبارة أخرى يفوق الواقع الخيال‘ و نحن مطالبون بإعادة النظر في نظرتنا إلى العالم؛ إننا نشاهد نهضة الحضارة الهندية – الأوروبية القديمة.                                                                


    (1) Tabutin. D., Vilquin. E., et Biraben J.N., « L’histoire de la population de l’Afrique du Nord pendant le deuxième
    millénaire », communication présentée à la conférence « The History of World Population in the Second Millennium ».
    Florence, 28-30 juin 2001, UIESP.
    Noin D., 1970, la Population rurale du Maroc, PUF, Paris, t. 1, p. 239.
    (2) En France, où les registres paroissiaux ont été mis en place au XVIe siècle, et remplacés par les registres d’état civil des
    communes à la Révolution, la baisse de la mortalité n’a commencé à se manifester qu’avec l’élimination progressive de la
    peste au début du XVIIIe siècle et avec la cessation des guerres permanentes que menait Louis XIV, qui domina l’Europe et
    gouverna jusqu’à sa mort, en 1715. D’après les travaux de démographie historique, vers 1750, la vie moyenne n’était encore
    que de 25 ans.
           

    يعزى تحسن الحظوظ في الحفاظ على البقاء إلى محاربة الوفيات  لدى الأطفال الصغار. حسب نتائج البحث              
    عرفت وفيات الصغار انخفاضا          RGPH 2004
    كبيرا‘ منتقلة من 149 ‰ في بداية الستينيات من القرن الماضي إلى 48 ‰ سنة 2004؛ هذا التقدم هو انعكاس لحملات التلقيح التي عرفتها المملكة و التي تروم بالخصوص محاربة الأمراض التي تستهدف الأطفال في سن مبكر و نتاج أيضا للتحسن الذي عرفته التغطية الصحية بصفة عامة. و بالفعل‘ تحسن بكثير عدد السكان بالنسبة لكل طبيب‘ إذ انتقل من 120 12 ساكن في 1967 إلى 1780 ساكن سنة 2004؛ و في نفس الوقت ارتفع عدد السكان لكل سرير من 638 إلى 1144 ساكن على التوالي. يعزى هذا التطور أيضا إلى تحسن نظام التغذية و إلى الولوج إلى الماء الصالح للشرب.          
                                                                                                                                                لا زال المغرب يسجل تأخرا في هذا الميدان و بشكل ملحوظ فيما يتعلق بحياة الطفل و الأم  مقارنة مع البلدان التي لها مستوى تنمية مماثل بحيث سجل معدل الوفيات عند الأمهات في الفترة 1994 – 2003 ما قدره 227 وفاة في كل 000 100 ولادة (الرسم البياني 2)؛ هذا المعدل هو أكثر ارتفاعا في الوسط القروي منه في الوسط الحضري نظرا للنقص الذي يشكو منه الوسط القروي في العلاج الطبي قبل الولادة و في  ضعف الولادة المراقبة طبيا.                                        
                                                   
    أقل ما يمكن قوله هو أن أمل الحياة حقق ربحا صافيا جدا‘ دون أن يكون استثنائيا؛ علما بأن اليابان أحرز على تقدم ملحوظ في ميدان الصحة يصلح للمقارنة مع التقدم النسبي للبلدان الأخرى.

    البطل الياباني

    بادر اليابان‘ غداة خسرانه للحرب التي ذهب ضحيتها و احتلاله من طرف الجنود الأمريكيين و استسلامه في شتنبر 1945 تحت قبضة الجنيرال ماك أرثير‘ إلى القيام بإصلاحات عميقة لمؤسساته.                                      
    في 1946 ضرب التخلف أطنابه في هذا البلد الذي عرف الدمار و وقف على حافة المجاعة و سجل أدنى أمل الحياة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي ؛ و في 1980 تصدر قائمة هذه الدول و استمر في التقدم بفارق واسع مع هذه البلدان بدليل أنه سجل في 2005 مدة متوسطة للحياة وصلت إلى 82 سنة (بل 85 سنة بالنسبة للإناث المتفوقين بيولوجيا على الذكور).  أما فيما يخص وفيات الأطفال الذين يقل عمرهم عن سنة واحدة‘ فهي الأكثر انخفاضا في العالم: 3 وفيات في كل 1000 ولادة حية‘ بل يمكن القول أنها منعدمة؛ على العكس من المغرب حيث تقدر ب 48 ‰‘ أي تفوق نظيرتها في اليابان ب 16 ضعفا.                                                

       تموقعات أخرى

    يسجل المغرب في هذا المضمار تأخرا طفيفا على جارته الجزائر و تتجاوزه تونس‘ حيث المعدل منخفض بضعفين‘ بفارق شاسع (بيان 2) و هو ما يمكن تفسيره جزئيا بالاختلاف في معدلات التغطية الطبية. تتماثل وضعيته الحالية مع وضعية اسبانيا سنة 1959 التي كانت لا تزال تعرف نظام الأسرة الأبيسي. لكن هذا البلد الأخير سارع إلى تدارك إعاقته سنة 1974 حيث تراجع مستوى وفيات الأطفال إلى النصف ليصل إلى 20 وفاة في كل 1000 ولادة حية عند الأطفال البالغين من العمر أقل من سنة ( أي المستوى الحالي في تونس و مستوى فرنسا قبل 5 سنوات بذلك‘ أي في 1969).  


    3. الخصوبة

    في ظرف 30 سنة فقط ‘ من منتصف سنوات 1970 إلى 2004‘ انتقلت الخصوبة من مستواها القوي بشكل استثنائي ‘ 7 أطفال لكل امرأة في بداية الستينيات من القرن الماضي‘ إلى عتبة استبدال الأجيال: ما يزيد قليلا عن طفلين (انظر الرسم البياني 2).                                                      

    تم رصد أولى علامات انخفاض الخصوبة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي حسب تاريخ الحمل عند النساء في البحث الوطني حول الخصوبة و التخطيط العائلي 1979 – 1980 الذي سمح بتقدير مؤشر الخصوبة التركيبي ب 5,9 أطفال لكل امرأة. في مرحلة أولى كان هذا الانتزاع عنيفا‘ ثم لوحظ تناقصا في وتيرة الانخفاض لينتهي الأمر بارتفاع مباغت في تراجع الخصوبة خلال الفترة الحديثة.                

    هذا الانحناء في الخصوبة و ما تبعها من انخفاض سريع طبع دخول المغرب بصفة نهائية في المرحلة الثانية لنموه الانتقالي بحيث انخفضت الوفيات أولا و الخصوبة لاحقا.                  

    لكن الشروع في المرحلة الثانية للنمو الانتقالي السكاني لم يكن متزامنا في وسطي الإقامة الحضري و القروي؛ و هكذا إذا كانت هذه الظاهرة قد شملت النساء الحضريات مند أواخر الستينيات من القرن الماضي فإن خصوبة النساء القرويات في تلك الفترة بقيت على مستوياتها العالية جدا و لم تبدأ في الانخفاض إلا في الثمانينيات من نفس القرن.                    



    تطور مؤشر الخصوبة التركيبي حسب وسط الإقامة


    يتحدد اليوم مؤشر الخصوبة التركيبي في حوالي 2,5 أطفال لكل امرأة مع التمييز بين الوسطين الحضري و القروي حيث يسجل 2,1 و 3,1 على التوالي.                                    

    ممّا لا شك فيه يعزى هذا الانخفاض الهام للخصوبة‘ على إثر الانخفاض المسبق في الوفيات‘ إلى التحول في يومية الزواج و بكيفية أكثر إلى الاستعمال الجماهيري المتزايد لوسائل منع الحمل.                                                                  

    و يوحي الفارق الزمني في شروع انخفاض الخصوبة حسب وسط الإقامة بأن الأسباب العميقة التي تحدد انتقال الخصوبة في المغرب هي معقدة و لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد‘ نظرا للفوارق المجالية و الاجتماعية و الاقتصادية المتواجدة. يمكن اقتراح فرضيتين لتفسير ذلك: من جهة الانتقال المرتبط بصيرورة "التحديث" و الذي همّ السكان الذين استفادوا من التعليم الجماهيري‘ من البنيات الاجتماعية و من التوعية عن طريق وسائل الإعلام‘و من تطور وسائل المواصلات؛ من جهة أخرى الانتقال المرتبط بوضعية " الأزمة أو الفقر" الذي شمل الفئات السكانية التي لم تستفيد بتاتا أو إلا قليلا من هذه الاستثمارات الاجتماعية. و بالفعل‘ يلجأ السكان في إطار الأزمة ( التقويم الهيكلي و نتائجه على الشغل و الولوج إلى القطاعات الاجتماعية) إلى تبني "مالتوسيانية الفقر" و يضطرون إلى "تقويم" الخصوبة بسبب تدهور مستوى المعيشة و ارتفاع كلفة الطفل. و هكذا يتسم تطور الخصوبة  بالثنائية.                                                                


    الانتقال الديمغرافي

    تعتبر نظرية الانتقال الديمغرافي  قانونا تاريخيا و شموليا‘ تم إرساء قواعدها في الفترة ما بين 1929 و 1953. تشتمل هذه النظرية على بعدين في آن واحد: بعد وصفي و بعد تفسيري. يمكن إيجاز الواجهة التفسيرية في وجود مرحليتين تاريخيتين كبيرتين‘الأولى هي مرحلة التسارع (انخفاض الوفيات) و الثانية هي مرحلة التباطؤ السكاني‘ عندما تتقوّم الولادة و تبدأ في الانخفاض أسرع من الوفيات. يتخذ الرسم التخطيطي للتزايد السكاني إذن شكل الجرس؛ و يمكن ربط الانتقال  السكاني‘ حسب تقدمه أو تأخره بمعامل مضاعف للسكان و الذي هو مجموع الساكنة "الأولية" ( التي تسبق الانخفاض القديم للوفيات) على مجموع الساكنة "النهائية" ( التي يميزها الرجوع إلى معدل تزايد سكاني جد منخفض).                  

    مع التحديث الضارب في القدم تتقلص وفيات الأزمة و تتراجع الوفيات العادية‘ الشيء الذي يؤدي إلى التمدد السكاني الغير المسبوق في التاريخ‘ ثم بفعل ردود الفعل تجاه هذا الوضع‘ على مدى فترة طويلة إلى حد ما‘ ينتهي الأمر بتكيف الخصوبة ( تعديل) مع الوضع الجديد: لم يوجد إنجاب غير محدود إطلاقا؛ كل ما هنالك هو أن الزوجين يحاولان فقط الحفاظ على نسلهما. عندما تتعرض التركة إلى الهلاك يكون رد الفعل الوقائي هو اختيار الأسرة ذات الحجم الكبير ‘ لكن بمجرد أن تتراجع الوفيات المبكرة يصبح تدريجيا من غير المبرر الحفاظ على البقاء من خلال الأسرة الكثيرة الأطفال. حينئذ تبدأ الخصوبة في انخفاضها المعهود في القدم بحيث تتقلص وتيرة التزايد السكاني مع مر عشرات السنين ‘ لترجع في النهاية إلى شبه – توازن منخفض.                    

    على عكس دلك‘ يتميز البعد التفسيري للانتقال السكاني بطابعه البالغ في التعقيد و يشتمل على عدة أوجه تفضي إلى تأويلات متضاربة. اعتمادا على الأبحاث التاريخية و الجغرافية المعمقة تبرز فيما يبدو ثلاث عناصر:                
    - دور التحديث و علاقته بالتنمية بمفهومهما الواسع حيث يشكل الاندثار الطويل لخطر الوفيات اليومية أحد مرتكزاتهما؛                                                          
    -  النموذج الانتشاري ‘ المعروف عند الكلاسيكيين‘ لكنه ضعيف القوة بفعل عولمة العقول‘ و الذي هو في نهاية المطاف امتدادا للأعمال الأكاديمية و للانشغالات الاجتماعية بمسألة "الحياة الطويلة الأمد"؛                                    
    - الوعي و الإرادة السياسية‘ على الصعيد العالمي‘ لإزالة التمييز الصارخ ضد النساء.                                            

    و بالفعل‘ تُظهر مختلف الدراسات بأن التمثلات التي تتعلق بكثرة الإنجاب هي بصدد التغير نتيجة للارتفاع المستمر في تكاليف تربية الأطفال. هذا في زمن أصبحت تتغير فيه التدفقات النقدية من جيل إلى آخر. مع الانتشار الواسع إلى حد ما للمدرسة‘ يتزايد حجم التحويلات النقدية من الآباء نحو الأبناء بينما يضعف هذا الحجم في الاتجاه المعاكس. أظهرت أحد الدراسات (3) حول إدراك الآباء في المغرب للتكاليف  و الأرباح المترتبة عن تربية الأطفال أن بقاء الخصوبة  القروية على مستوى مرتفع نسبيا مقارنة مع الخصوبة الحضرية يعزى إلى عوامل عدة من بينها الأرباح التي ينتظر الآباء  جنيها من  إنجاب الأطفال ( على المدى القريب‘ اشتغال الأطفال؛ و على المدى البعيد ضمان شيخوخة آمنة) و كلفة تربيتهم ( التعليم‘ الصحة‘ السكن‘ استهلاك الأطفال للمأكل و الملبس).

    إن وتيرة انخفاض الخصوبة تثير الانتباه خاصة و أن ما يقرب من نصف ساكنة المغرب لا تزال تعيش بالمناطق القروية. إن تحولا من هذا القبيل يدعو إلى التفكير بأنه لن يتوقف عند بلوغه عتبة استبدال الأجيال‘ بفعل عصا سحرية‘ وأنه ينبغي توخي الحذر تجاه ذلك حتى لا تتحول المبالغة في الخصوبة إلى عجز فيها. توجد أمثلة كثيرة على ذلك ( كندا‘ أوروبا‘ آسيا الشرقية‘ تركيا الغربية‘ تونس‘ إيران الوسطى‘ دون احتساب كبريات المدن في "العالم الثالث"؛ يتعلق الأمر بتوجه عميق‘ لا رجعة فيه على ما يبدو‘ باستثناء  البلدان التي اتخذت تدابير سياسية تروم التوفيق بين الحياة المهنية و الحياة العائلية‘ كما هو الشأن بالنسبة  لأوروبا المحيط الأطلسي ( خارج الجزيرة الإبيرية).

    سوف لن نطيل الكلام حول هذه الثورة التي تعرفها الخصوبة و سنكتفي بالتطرق إلى بعض النقاط الحاسمة علما بأن عوامل الانتقال الصحي و عوامل الانتقال الإنجابي هي مشتركة بشكل واسع.

    فيما يخص هبوط الخصوبة‘ ارتبطت هذه العوامل بعناصر تاريخية معروفة‘ كالتعمير ( إكراه مجالي و زمني و يتعلق بالتالي بكلفة الطفل)؛ ارتفاع تعليم المرأة و ما يصاحبه من نتائج تهم طموحاتها الشخصية‘ وضعيتها الخاصة‘ تحررها المالي و إشباع حاجياتها المادية؛ انتشار نموذج جديد لطريقة العيش في مجموع المعمور؛ الانتشار الواسع للتقنيات الطبية للحد من النسل ( وسائل منع الحمل العصرية‘ الإجهاض بالامتصاص‘...)

    يتعلق الأمر هنا أيضا بحركة عابرة للأوطان:  بحيث في الفترة ما بين 1960 و 2005 تتطابق منحنيات الخصوبة ‘ من حيث المستوى و من حيث التوجهات‘ لآسيا و أمريكا اللاتينية من جهة مع منحنيات الخصوبة  لأوروبا و اليابان من جهة أخرى. كل شيء يمر بشكل ينم عن تحرك صيرورة حتمية و تصب في اتجاه واحد‘ مرتبطة بقوى "التحديث" و بارتباط معها بكلفة الطفل. من الصعب إذن البحث عن عوامل التطور الداخلي‘ لاسيما في المجتمعات المنفتحة و الخاضعة لتأثير الأفكار و أنماط الحياة الخارجية‘ و بخاصة فيما يتعلق بالمرأة التي أصبحت رغبتها في التحرر تحظى بالأولوية في السياسة الدولية.

    يعزى انخفاض الخصوبة المغربية إلى التأخير الحاصل في الزواج و إلى اللجوء بدون شك كرها أكثر مما هو طوعا إلى سلاح منع الحمل. كانت أوروبا الغربية و أقصى شرق آسيا‘ حيث كثافة السكان قوية مقارنة مع الأراضي القابلة للزراعة‘ قد عرفت في الماضي هذه الآلية الأولية التقويمية للمد السكاني الناجم عن بداية تراجع الوفيات. لكن يتميز المثال المغربي  بمدى و سرعة و بعد التطبيق لهذا "الإكراه الأخلاقي"  حسب تعبير مالتوس.

    زواج في تأخير مستمر
    على مستوى الزواج‘ يعد تراجع السن الأول للزواج خلال العشريات الأخيرة أحد الملامح البارزة في المجتمع المغربي. أخذ الرجال و النساء يتزوجون في سن متأخر أكثر فأكثر. ظهر هذا التراجع بفعل "تحديث" المجتمع الناجم عن التعليم و التعمير و لكن أيضا نظرا للصعوبات التي تعترض الاندماج في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية ( الشغل‘ السكن).

    في 1960 كانت تقاليد الزواج المبكر و الكوني هي السائدة بحيث كان الاتفاق حوله يتم منذ فترة البلوغ و أحيانا منذ الطفولة. و هكذا‘ 94 % من النساء في الفئة العمرية 20 – 24 سنة كانت متزوجة و كذلك ما يقرب من 98 %  في الفئة العمرية 25 – 29 سنة. بعد سن الثلاثين كانت نسبة النساء العازبات ضئيلة جدا: حوالي 1,5  % فقط.

    بدأ التحول بصفة واضحة منذ الستينيات من القرن الماضي بحيث تقلصت نسبة المراهقات من 15 إلى 19 سنة اللواتي تزوجن إلى النصف: 6 على 10 في 1960‘ 3 على 10 في 1970؛ ثم أصبحت قيمتها الإحصائية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي هامشية (1 على 10 تقريبا). بعد ذلك بدأ النزوع إلى تأخير الزواج  ينتشر‘  ليتأخر الزواج بشكل سريع إلى ما بعد سن العشرين: في 1960 كانت نسبة العازبات في الفئة العمرية 20 – 24 سنة ضئيلة: 6 %؛ في إحصاء 1982‘ وصلت هذه النسبة إلى 40 % قبل أن تهم نحو سنة 1985 غالبية النساء في هذه الفئة العمرية  و تستقر في حدود ما يفوق قليلا 60 % منذ سنة 1960 ( و حتى أكثر من  الثلثين بالنسبة للنساء الحضريات).

    يظهر من فحص نسب العزوبة في الفئات العمرية 20 – 24 سنة بالنسبة للنساء و 25 – 29 سنة بالنسبة للرجال أهمية التغيرات الملحوظة التي طرأت على الزواج الأول عند الجنسين. ارتفعت هذه النسب لأسباب مختلفة ( تمدرس مكثف
    شمل أيضا الفتيات‘ الولوج إلى سوق الشغل‘ الطموح إلى أسلوب مغاير للحياة‘ الصعوبات الاقتصادية‘ الخ.). عرفت الفئة العمرية 25 –  29 سنة انزلاقا عميقا بحيث انتقلت نسبة النساء الغير عازبات من 98 % سنة 1960 إلى 83  % سنة 1982 قبل أن تنحدر إلى  60 % في 2004.


    تطور حصة النساء العازبات (بالمائة)  حسب العمر ما بين 1994 و
    2004

    النسبة المئوية للمتزوجات حسب العمر في 1994 و في  2004
                 
    2004 1994 العمر
    10,7 12,1 15 – 19 سنة
    37,0 41,4 20 – 24 سنة
    55,7 60,3 25 – 29 سنة
    67,5 75,1 30 – 34 سنة
    74,5 82,0 35 – 39 سنة
    78,7 83,6 40 – 44 سنة
    78,2 82,5 45 – 49 سنة
    المصادر Sources : HCP, RGPH 1994 et 2004.

    نأخذ الآن سن الثلاثين كمرجع. لا توجد في المجتمع الزراعي التقليدي سوى امرأة واحدة من بين 50 امرأة في هذا السن التي كانت لا تزال عازبة؛ في إحصاء 2004  أصبحت تمثل هذه النسبة 15 امرأة من بين 50 في الوسط القروي ( 35,8 % من العازبات في الفئة العمرية 25 – 29 سنة). على سبيل المقارنة ارتفعت نسبة الحضريات في نفس الفئة العمرية إلى 20 عازبة تقريبا من بين 50 امرأة (40,7 %). بعبارة أخرى لم يعد الزواج المبكر إلى حد بعيد هو المعيار الاجتماعي.

    أكثر من ذلك‘ اهتزت مؤسسة الزواج بحيث أصبح النكاح يقوم أكثر فأكثر على عواطف الزوجين عوض بنائه على قواعد العادة الأسرية ( زواج القرابة‘ مع الحرص على الحفاظ على الإرث)؛ و لاسيما أخذت العزوبة النهائية تتأكد‘ بشكل طوعي أو كرهي‘ على النساء و من جملتهن الحاصلات على دبلوم. كانت العزوبة النهائية في المجتمع الأبيسي السالف نادرة جدا في جميع مستويات التعليم  (1 % بالمعدل)؛ و في يومنا هذا فهي تقارب 10 % عند النساء المزدادات في الخمسينات من القرن الماضي‘ مع تقدم قوي حسب مستوى التعليم عند الأجيال الجديدة.

    لنأخذ حالة النساء المزدادات نحو منتصف سنوات 1960 و البالغات من العمر 40 سنة. بلغت نسبة الغير متزوجات من بين اللواتي تعلمن أكثر ( مستوى عالي) الربع؛ و يلاحظ أيضا عند النساء الغير متعلمات و عددهن أكبر من الفئة الأولى تغيرا كبيرا في التقاليد لأن العشر منهن بقيت عازبات‘ في حين كانت نسبتهن لا تتجاوز 2 % عند من يكبرهن سنا و المزدادات في سنوات 1940.  

    لنتطرق الآن إلى الفئات العمرية التي تتكون من أكبر الأعداد‘ المزدادة نحو 1975 ‘ و التي ذهبت ضحية الوضعية السكانية (أزمة السكن و الشغل) و البالغات من العمر ثلاثون سنة؛ فرضت العزوبة على هؤلاء النساء لأنه لم يتم إدماجهن كليا في الجهاز السوسيو- اقتصادي ( سوق الشغل‘ السكن‘البنيات التحتية المدرسية و الجامعية‘ الولوج إلى الدخل و إلى الاستقلال الشخصي)‘ و بقين في حالة عزوبة ممتدة.

    فيما يتعلق بفئة النساء المدبلمات‘ حسب المعلومات الأولية لإحصاء 2004‘ بقي الثلث منهن في حالة عزوبة‘ إما بسبب كون وضعيتهن الاقتصادية لا تلبي طموحاتهن‘ و إما بسبب خشيتهن عدم وجود زوج يسمح لهن بالشغل خارج البيت‘ و خوفهن من عدم المساواة مع الرجل داخل البيت و من عدم التحرر على المستوى الشخصي.

    انعكست هذه التحولات على تطور السن الأول للزواج بحيث سجل هذا الأخير ارتفاعا ملحوظا. في 2004‘ كان السن  الأول المتوسط للزواج 26,3 سنة (31,2 سنة عند الرجال)‘ بينما في 1960 لم يتجاوز قط 17 سنة (24 سنة عند الرجال). و هكذا‘ إذا كان التراجع الحاصل في سن الزواج يعكس التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي‘ فإنه من الملاحظ أيضا بأنه أحد العوامل التي ساهمت في التقلص المحسوس لمستوى الخصوبة بالمغرب. قلص ارتفاع السن الأول للزواج عند النساء بشكل مدلول من المدة التي تعرض المرأة لخطر الحمل و قلص بالتالي من العدد الإجمالي للأطفال الذي يمكن أن تلدهم.


    السن الأول عند الزواج في ساكنة النساء


    اعتبارا للبؤس و النقص الغذائيين كان الزواج لا يلي إلا قليلا ظهور أولى الدورات الشهرية عند المرأة أي قدرتها على الولادة؛ أما اليوم أصبحت الدورة الشهرية في سن مبكر مقارنة مع ما كانت عليه سابقا‘ من المحتمل عند بلوغ 12 أو 13 سنة ؛ من جهة أخرى‘ نظرا لشبه انعدام الولادات خارج نطاق الزواج ( على الأقل من الناحية الإحصائية و ليس في الواقع نظرا لعدم وجود مانع لذلك) من الممكن أن نعتبر التأخير الحاصل في الزواج تعديلا يمارس تأثيرا قويا على الخصوبة: و هكذا‘ بُترت مدة الحياة الإنجابية عند المرأة المغربية ب 15 سنة (27– 12 = 15).

    غير أن السنوات المعنية بتأخير الزواج ( من 17 إلى 27 سنة) هي بالتحديد السنوات التي تصل فيها قدرة المرأة على الإنجاب إلى مستواها الأقصى؛ و إذا ما أخذنا الآن بعين الاعتبار تصاعد العزوبة النهائية‘ نخلص إلى مقاربة أولية تفيد بأنه في الظروف الحالية يعزى نصف انخفاض الخصوبة إلى التحكم في الزواج.

    لجوء مطرد إلى وسائل منع الحمل

    السن الأول عند الزواج هو بمثابة المتغيرة – المفتاح التي تثير الانخفاض في الخصوبة‘ إلا أن تأثيره يضمحل تدريجيا لصالح الانتشار المتزايد لوسائل منع الحمل بشكل إرادي. هذا في الوقت الذي أصبحت فيه الأسرة المصغرة تحظى تدريجيا بقيمة إيجابية في المجتمع ( وسائل الإعلام‘ الدليل المدرسي‘ الطموحات الاجتماعية). لعبت كذلك سياسة التخطيط العائلي التي وضعت منذ 1966 دورا لا يمكن إغفاله في تقليص الخصوبة. من المهم أن نسجل هنا بأن وفرة موانع الحمل و جعلها في خدمة من يرغبون في استعمالها كان نتيجة لتفعيل البرنامج المهم للتخطيط العائلي‘ بما في ذلك " الزيارات إلى البيوت للتحفيز الشامل" التي تم تطويرها في الثمانينات من القرن الماضي.

    تمثل نسبة النساء اللواتي استعملن وسائل منع الحمل في الستينيات من القرن الماضي 8 % فقط بينما أصبحت اليوم هذه النسبة 63 % (4)‘ و هي في الوسط الحضري أكثر ارتفاعا من الوسط القروي (65,5 % مقابل 59,7 %).

    ما بين 1980 و 1992 أحرز امتياز استعمال موانع الحمل على 23 نقطة بانتقاله من 19 إلى 42 %‘ و 16 نقطة ما بين 1992 و1997 منتقلا من 42 إلى 58 %. يلاحظ اختلاف في اللجوء إلى موانع الحمل بحسب وسط الإقامة بحيث هو في الوسط الحضري أكثر من الوسط القروي‘ لكن الفارق ليس مهما ( 65,5 % بالنسبة للحضري و 59,7 % بالنسبة للقروي). نفس الشيء يلاحظ في التوزيع حسب مستوى التعليم حيث الفوارق هي متواضعة نسبيا.


    تطور امتياز استعمال موانع الحمل حسب وسط الإقامة


    تحسن في وضعية المرأة باعتباره فاتحة لمرحلة انتقال الخصوبة
    ارتبط تحسن وضعية المرأة بالمغرب بتأخر سن الزواج و باللجوء المتزايد للجماهير إلى استعمال موانع الحمل. يمكن تقييم هذه التحولات من خلال مؤشرات محاربة الأمية النسوية و المدة التي يقضيها النساء في سوق الشغل. و هكذا عرفت العشريات الأخيرة تحسنا في مستوى التعليم‘ بما في ذلك عند الفتيات‘ و في محاربة الأمية عند النساء. انتقلت الأمية النسوية من 96 % سنة 1960 إلى 55 % سنة 2004‘ أي أنها انخفضت ب 41 نقطة في ظرف 44 سنة‘ و ذلك  راجع أساسا إلى انتشار التعليم في أوساط الأجيال الشابة. و بالفعل وصلت نسبة الفتيات المزاولات للدراسة في التعليم الابتدائي إلى 77,8 % سنة 2004.

    هذا التحسن في الرأسمال المدرسي النسوي بالمغرب سمح بإعادة النظر في بعض المعايير التي تجعل من المرأة عونا لا يصلح سوى للإنجاب. فتحت إمكانية مزاولة الدراسة إلى حين بلوغ مستوى عال نسبيا آفاقا جديدة أمام المرأة تتعلق باستقلاليتهن و بانغماسهن في الحياة المهنية‘ و هو ما أدى إلى تغيير النظرة التي كانت عند المجتمع على الطفل. كذلك‘ أصبح لهذا التمدرس‘ الذي نُعت ب "المهر المدرسي"‘  وزنا في الإستراتيجية الزوجية عند النساء بحيث أصبح الحصول على دبلوم من شأنه أن يشجع المرأة على الجعل من نموها الشخصي إستراتيجية فردية و يسمح لها  بممارسة نشاط مهني‘ قد يؤثر على سلوكها الإنجابي.

    من جهة أخرى يشكل نشاط المرأة عاملا فاصلا في الخصوبة.  و هكذا‘ فإن مشاركة المرأة  في النشاط الاقتصادي ( بمفهوم المحاسبة الوطنية) ما فتئ  يتزايد بشكل ملحوظ  في الوسط الحضري.  النساء حاضرات أكثر فأكثر في الأنشطة الاقتصادية خارج البيت.  من العوامل التي تشجع النساء على الخروج من دائرة العائلة و الالتحاق بصفوف الساكنة النشيطة: إرادتهن المتنامية  لتحقيق أفضل اندماج اجتماعي‘ تطور اقتصاد السوق‘ الحاجة المتصاعدة إلى يد عاملة نسوية في القطاع الثالث على الخصوص‘ تحديث المجتمع و تطور المواقف إزاء مساهمة المرأة في الحياة النشيطة.  تسمح هذه المشاركة للنساء في الحياة المهنية التي يؤدى عنها أجرا بالخروج من مجال الحياة العائلية التقليدية و الطموح إلى نمط عيش جديد و الحصول في محيطهن على  سلطة تقريرية و بالتالي على أدوار جديدة في العائلة. تشير الأدبيات الديمغرافية إلى وجود تأثير واضح للشغل على خصوبة المرأة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:40 pm