منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    المقاربة السكانية لليد العاملة بالمغرب من 1950 إلى أفق 2020. (I)

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    المقاربة السكانية لليد العاملة بالمغرب من 1950 إلى أفق 2020. (I)

    مُساهمة  عمرو قضاض في الجمعة أبريل 19, 2013 7:12 am

    المدخل

    1.1. وجود الإنسان وبقاءه يتوقفان على الشغل. الشغل هو الذي يسمح للإنسان بسد حاجياته المعيشية وتلبية متطلبات مجتمعه.

    الشغل مجهود إنساني ضروري للحياة ونافع للمجتمع.

    عرفت طبيعة الشغل الذي يقوم به الإنسان تغييرا جذريا على مر الأزمنة و العصور و الحضارات‘ بفعل عوامل عدة كتطور العلم و التقنية و تقسيم العمل وتطور الوظائف الاقتصادية. ساهمت هذه العوامل في تصاعد حاجيات الإنسان و ارتفاع قدراته الإنتاجية حتى أصبحت طبيعة الشغل‘ حجما وجودة ‘ مختلفة تماما ولاعلاقة لها بطبيعة الشغل السابق‘ فالزراعة بالمحراث ليست هي الزراعة بالجرار لا من حيث عدد العمال و لا من حيث الأداء و لا من حيث الإنتاج.

    يعتمد علم السكان أو "الديمغرافيا" في معالجته للوظائف الاقتصادية للسكان على مقاربة خاصة تقوم على التمييز الاقتصادي بين المنتجين و المستهلكين.

    اليد العاملة أو السكان النشيطون هي مقولة خاصة بعلم السكان لها هويتها بحيث يمكن عزلها عن باقي مكونات السكان لأن وظيفتها الأساسية هي إنتاج الخيرات و الخدمات الضرورية للاستجابة لحاجيات السكان.

    يمكن تطبيق جهاز المفاهيم و البحوث الخاصة بهذا العلم على دراسة اليد العاملة‘ كما توجد بعض الصعوبات العملية التي تعترض البحث السكاني في التمييز بين السكان النشيطون و السكان الغير النشيطون و هو ما يحتم على الباحث أولا فهم هذه المقولات و ثانيا تعريفها تعريفا دقيقا.

    يعرف علم السكان الساكنة النشيطة بأنها:

    - الأشخاص الذين يزاولون نشاطا معينا مقابل راتب أو أجرة سواء كان هؤلاء مدنيون أو عسكريون
    - الأشخاص الذين يزاولون عملا مستقلا
    - المستخدمون ( بكسر الدال) الذين يجنون ربحا من نشاطهم
    - الأشخاص الذين يساهمون في استغلال مقاولة عائلية مدرة للدخل حتى و إن كانوا لا يتقاضون أجرا أو راتبا عن ذلك

    يتكون السكان النشيطون‘ حسب التعريفات العالمية المعتمدة‘ من الأشخاص الذين يزاولون بصفة فعلية نشاطا مهنيا ما و من العاطلين الذين يبحثون عن عمل يؤدى عنه‘ لا يدخل في هذا التعريف الأشخاص الذين لهم نشاط غير مدر للدخل كربة البيت التي تقوم بالأشغال المنزلية.

    يعرف المكتب الدولي للشغل اليد العاملة بأنها " مجموع الأشخاص المنشغلون بالإنتاج الاقتصادي والأشخاص الذين يبحثون عن العمل ( بما في ذلك الأشخاص الذين يبحثون عن العمل لأول مرة ) ".

    في القاموس الديمغرافي‘ اليد العاملة أو السكان النشيطون اقتصاديا هم الأشخاص الذين لهم 15 سنة و ما فوق و الذين يشتغلون أو يبحثون عن شغل.

    لا شك أن عدد السكان النشيطون في بلد ما‘ و نسبة هؤلاء من مجموع السكان لهما تأثير واضح على القدرة الإنتاجية لاقتصاد هذا البلد و على مستوى الدخل الفردي المتوقع‘ إلا أن عوامل الإنتاجية في العمل و معدلات البطالة و معدلات العمل- الناقص‘ هي أيضا عوامل أساسية في هذا التأثير.

    إن العدد الرقمي للسكان النشيطين حتى وإن كان مهما‘ فهو يبقى مؤشرا أوليا و تقريبيا عن وفرة اليد العاملة.

    للوصول إلى تقدير السكان النشيطين تقديرا مرضيا لا بد الأخذ بعين الاعتبار:
    - عدد ساعات الشغل في الأسبوع‘
    - عدد الشغيلة الموسمية‘
    - عدد الأشخاص الذين يشتغلون بضع ساعات فقط في اليوم‘
    و عدد الأشخاص الذين كل سنة إما يدخلون في السكان النشيطين و إما يغادرونهم طوعا أو كرها.

    فضلا عن ذلك‘ تعتبر جودة العمالة أهم من عددها‘ كما أن التأهيل المهني المتخصص و التجربة المهنية و الكفاءة المهنية و مستوى التعليم و الحالة الصحية للعمال و حوافزهم في العمل و ظروف الشغل من نظافة و أمن كلها عوامل أساسية لتحديد قدرة الاقتصاد عن الإنتاج و قدرته على النمو.

    هذه الاعتبارات الكمية و الكيفية تدعو إلى اعتماد مقاربة مندمجة في مجال تخطيط الموارد البشرية تقوم على‘ أولا القيام بتقييم مفصل للموارد و لاحتياطي اليد العاملة الراهنة و المستقبلية حسب القطاع الاقتصادي و التخصص المهني و الجهة‘ ثانيا القيام بتقييم مفصل للحاجيات السكانية حاضرا و مستقبلا.

    تسمح هذه المقاربة بأخذ قرارات عقلانية بشأن التغييرات المزمع إحداثها في تركيبة اليد العاملة و بأخذ التدابير اللازمة لذلك.

    و أخيرا تجدر الإشارة إلى أن العوامل السكانية و العوامل الثقافية تلعب دورا مهما إلى جانب العوامل الاقتصادية في تحديد عدد الساكنة النشيطة و صيرورة نموها‘ كما أن هذه العوامل نفسها قد تؤثر سلبا على صيرورة النمو الاقتصادي و الاجتماعي من خلال تقويتها لعدد العاطلين و المزاولين لشغل ناقص.

    ثم إن المقاربة السكانية لليد العاملة أو السكان النشيطين هي مقاربة منفتحة على مختلف العلوم الأخرى من اقتصاد و اجتماع و أنثربلوجيا ثقافية و غيرها من العلوم الإنسانية عند محاولة تحديد طبيعة العلاقة بين ما هو سكاني و ماهو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي.

    لا تدعي " الديمغرافية" بوصفها علما للسكان قائما بذاته معرفة كل شيء عن طبيعة هذه العلاقات ولكنها تبحث عن العلاقات الترابطية بين مختلف العوامل‘ كما تقدم تحليلا و تفسيرا علميا واضحا للظواهر و للأحداث السكانية في حدود تقدم البحث العلمي و توفر المعطيات عن الواقع السكاني و الملاحظة التجريبية التاريخية لهذا الواقع و المقارنة لصيرورة تطوره في العديد من بلدان و جهات العالم.

    2.1. يبدأ هذا الكتاب بإعطاء نظرة عامة عن ساكنة العالم النشيطة بناء على المعطيات المستخلصة من تقديرات و إحصاءات السكان في 1950 و1960 ‘ مبرزا في ذلك عددها النسبي من مجموع السكان كما يتطرق إلى أهم التغييرات التي حصلت في هذه النسب خلال حقبة من الزمن و منها تغييرات معدلات النشاط بالمغرب و مقارنتها خلال نفس المرحلة بباقي معدلات النشاط في مناطق مختلفة من العالم.

    تشكل العشرية 1950-1960 المرجع الإحصائي و المنطلق الفكري لضبط المظاهر السكانية الأولى لليد العاملة المغربية و بعد ذلك يتتبع الكتاب مختلف مراحل تطورها اللاحق‘ وقوفا عند محطات الإحصاءات السكانية الكبرى و عند البحوث الميدانية‘ لسنوات 1971 و 1982 و 2004 و 2008 و 2011‘ في سياق علمي يراعي قدر الإمكان الشروط العلمية للمقارنة و رسم حدودها المعرفية بالنظر إلى نوعية المعطيات و إمكانية توفرها أو عدم توفرها‘ وبالنظر أيضا إلى أهم التغيرات التي حدثت وتحدث في البنية السكانية و الاقتصادية و القطاعية والجغرافية لليد العاملة المغربية من 1950 إلى أفق 2020.

    إن مقارنة معدلات النشاط داخل البلد الواحد و خارجه‘ و بين مختلف جهات العالم‘ لا تعني مقارنة ما لا يقارن‘ لأن ذلك يعني ضربا من السفاهة الفكرية‘ بقدر ما تعني الأخذ بالمنهاج العلمي الذي يبحث عن كافة سكان المعمور وعن كيفية اشتغالهم وعن إمكانية المقارنة فيما بينهم إذا توفرت الشروط العلمية لذلك ‘ وحيث أن مرودية السواعد البشرية لا تختلف و لا يمكن أن تختلف من عامل إلى آخر و من عاملة إلى آخري‘ فالمرودية واحدة بين بني البشر و نعمة العقل أيضا‘ وإنما هي عوامل التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي التي يتطرق البحث السكاني‘ من زاويته‘ لمعرفة تفاعلاتها مع المعطيات السكانية و الوقوف عند متطلباتها.

    3.1. تؤخذ أرقام اليد العاملة من نتائج الإحصاءات العامة للسكان و السكنى التي جرت العادة على تنظيمها من طرف البلدان‘ مبدئيا‘ كل 10 سنوات‘ و أيضا من البحوث المختصة التي يتم اللجوء إليها عند الحاجة‘ بل أصبحت تجرى كل سنة بالمغرب‘ و التي تهم عينة من السكان‘ وهي في غالب الأحيان بحوثا مكملة للإحصاء السكاني.

    كلما كانت الإحصاءات العامة للسكان عديدة و منتظمة في الزمن‘ كلما كانت معرفة بنية السكان النشيطين أحسن.

    غير أن البحوث السكانية بالعينة بالرغم من محدوديتها‘ فهي بحوثا تكميلية و الغرض منها هو الحصول على إحصائيات مهمة تتعلق بوضعية العمالة و حال شغلها و مستوى العاطلين فيها. كذلك‘ هناك مصادر أخرى لمعرفة البطالة إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الشمولية التي عند الإحصاء العام للسكان و عند البحوث بالعينة اللذان يعتمدان على نفس المنهجية في دراستهما لفئة السكان النشيطين.

    لفهم و تحليل مقولة اليد العاملة أو الساكنة النشيطة يعتمد الخبراء على عاملين أساسيين: أولهما نزوع الأشخاص إلى مزاولة نشاط اقتصادي معين بشهادة معدلات النشاط حسب الجنس و حسب الفئات العمرية‘ وثانيهما العامل السكاني و بالتحديد تركيبة الساكنة النشيطة حسب الجنس و حسب العمر وهي تركيبة ناجمة عن معدلات الخصوبة و الوفيات و الهجرة.

    يتم تقييم النسبة الإجمالية لمجموع السكان النشيطين من مجموع الساكنة بواسطة المعدلات الخامة للنشاط وهي معدلات قد تختلف داخل البلد الواحد حسب الجهة وحسب الوسط الحضري أو القروي‘ كما أنها قد تختلف حسب البلدان و حسب جهات العالم (1)

    (1) الأمم المتحدة‘ نتائج وأسباب التطور السكاني‘ خواتم التفاعلات بين العوامل السكانية والاقتصادية والاجتماعية‘ المجلد الأول......‘ ص 305؛ (مؤلف بالفرنسية).


    1.- الوضعية سنة 1950 - 1960
    بيان 1: تقدير للساكنة النشيطة و للمعدلات الخامة للنشاط لسنة 1960
    يقدر عدد الساكنة النشيطة في العالم سنة 1960 بمليون و 277 ألف عامل و عاملة‘ وهو ما يمثل آنذاك 42,8% من مجموع سكان المعمور.

    الملاحظات التي يمكن القيام بها هي
    - وجود فارق نسبي بين الدول السائرة في طريق النمو و الدول الأكثر تقدما حيث أن الساكنة النشيطة تقدر في المجموعة الأولى ب 41,7 % و في المجموعة الثانية ب 45,0 % ‘ علما بأن عدد السكان النشيطين في المجموعة الأولى يتجاوز عدد المجموعة الثانية بما قدره 398 مليون مشتغل ومشتغلة؛ إذن هناك فارق نسبي لصالح الدول الأكثر تقدما آنذاك و فارق مطلق لصالح الدول السائرة في طريق النمو.
    تعزى هذه الفوارق إلى العوامل السكانية لأن عدد سكان المجموعة الأولى يفوق بكثير عدد سكان المجموعة الثانية و أيضا إلى العوامل الاقتصادية بحيث أن اقتصاديات المجموعة الثانية كانت أكثر تقدما و أكثر إنتاجية‘ وهو ما يعني وجود توزيع غير متكافئ للشغل بين المجموعتين بسبب اختلاف مستويات التصنيع.

    - يتصدر الإتحاد السوفيتي (سابقا) قائمة معدلات النشاط الأكثر ارتفاعا في العالم بنسبة 51,6 % ‘ و بنسبة 51,5 % للشغيلة النسائية.
    في 1960 كان أكثر من نصف سكان هذا البلد نشيطون اقتصاديا وكانت مشاركة المرأة في الساكنة النشيطة تفوق مشاركة الذكور.
    تعزى هذه النسب المرتفعة إلى عاملين أساسيين‘ الأول سياسي وهو تطبيق مبدأ الاشتراكية الذي ينص على المساواة الاقتصادية بين الرجل والمرأة والثاني هو أن التصنيع في هذا البلد كان يتطلب وفرة اليد العاملة.

    كذلك الشأن بالنسبة إلى الصين الشعبية حيث تفيد الإحصائيات المستقاة من المصدر نفسه بأن نسبة الشغيلة النسائية كانت تقدر ب 41 % .

    - كانت معدلات النشاط مرتفعة أيضا في كل من اليابان‘ أوروبا‘ أمريكا الشمالية‘ أستراليا و زيلندا الجديدة‘ و جزر المحيط الهادي وهي على التوالي 47,0 و 45,0 و 38,8 و 40,9 و 39,5 في المائة؛ إلا أن نسبة مشاركة المرأة فيها‘ بالرغم من أهميتها‘ فهي أقل بكثير من البلدان السابقة حيث تقدر على التوالي ب 38,9 و 33,6 و 31,4 و 27,2 و 24,9 في المائة.

    - أما في إفريقيا‘ حيث الاقتصاد كان يعتمد و لا يزال إلى حد ما على الزراعة‘ تقدر نسبة الساكنة النشيطة سنة 1960 ب 40,4 % ونسبة الشغيلة النسائية ب 31,5 % وهي نسب مرتفعة نسبيا إذا ما قورنت مع دول أمريكا الجنوبية. و تجدر الإشارة إلى أن تقاليد بعض البلدان الأفريقية تحث المرأة على الاشتغال بالفلاحة كما هو الشأن بالنسبة إلى بلدان غينيا و النيجر‘ وتحثها على التجارة كما هو الحال في غانا؛ بينما توجد هذه النسب ضئيلة جدا في دول شمال إفريقيا ومن ضمنها المغرب حيث كانت لا تتجاوز الشغيلة النسائية نسبة 6,7 % ‘ حسب تقديرات المكتب الدولي للشغل.

    - يعزى التباين الواضح بين دول أفريقيا و آسيا من جهة و دول أمريكا اللاتينية أو الجنوبية من جهة أخرى في معدلات الشغل إلى الأشغال الفلاحية التي تزاولها النساء بكثرة في القارتين الأفريقية و الآسيوية وإلى كون خمس النساء فقط يشتغلن آنذاك في أمريكا الجنوبية.

    - حسب نتائج إحصاء 1971 الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء و الاقتصاد التطبيقي يظهر بأن عدد الساكنة النشيطة بالمغرب كانت سنة 1960 ب 3 ملايين و 254 ألف و 379 و بنسبة 28 % ‘ كما أن نسبة الشغيلة النسائية كانت تمثل 6 % .



    عرف السكان النشيطون في العالم خلال الفترة العشرية 1950 – 1960 نموا من حيث الحجم قدره 210 مليون شخص‘ 141 مليون في آسيا‘ 17 مليون في أفريقيا‘ 16 مليون في الإتحاد السوفيتي ( سابقا)‘ 14 مليون في أمريكا الجنوبية‘ 11 مليون في أمريكا الشمالية‘ 10 ملايين في أوروبا و 1 مليون في جزر المحيط الهادي.

    يلاحظ أن معدل الشغل الخام خلال هذه الفترة يقارب 43 % و لم يتغير كثيرا في مجموع المعمور مع بقاء الفارق كما عليه بين الدول الأكثر تقدما والدول السائرة في طريق النمو.

    إلا أن الخبراء لا حظوا بداية حصول تقلص في اليد العاملة لمعظم البلدان المتقدمة لأسباب سكانية بحتة بحيث أن البنية السكانية لهذه البلدان عرفت في الخمسينات من القرن العشرين‘ أي بعد الحرب العالمية الثانية‘ ازديادا ملحوظا في نسبة الأطفال و في نسبة الشيوخ في حين تراجعت نسبة الأشخاص القادرين على العمل لا سيما اليد العاملة الذكرية التي انخفضت ب 3 % و تم تعويضها نسبيا باليد العاملة النسائية حيث لوحظ ارتفاعها في الفئات العمرية 25 – 54 سنة ب 1 % (2).

    أما في البلدان السائرة في طريق النمو‘ بما في ذلك المغرب‘ حيث أن معدلات الخصوبة ومعدلات الوفيات كانت لا تزال مرتفعة‘ و التي حصل جلها خلال هذه الفترة على الاستقلال بعد حروب مريرة على الاستعمار‘ تراجعت الشغيلة الذكرية من 58 % إلى 55 في %.

    و تجدر الإشارة إلى أن الطبقة العاملة في المغرب و شمال أفريقيا ساهمت في معركة الاستقلال و قدمت العديد من الأرواح في سبيل حرية الوطن و استقلاله.

    إن ما يميز الفترة 1950 – 1960 هو ارتفاع معدلات الشغل الخامة في الدول الصناعية و في الصين الشعبية‘ وانخفاضها في البلدان السائرة في طريق النمو. و ما يلاحظ أيضا في البلدان الصناعية هو الاقتحام المتزايد للمرأة لسوق الشغل و تعويض الخصاصة في الذكور الناجم عن الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح الملايين من الرجال القادرين على العمل‘ ناهيك عن التراجع المهول لمعدلات الولادة خلال الحرب و مغادرة الكهول لعالم الشغل. أما في البلدان التي كانت قد انتهجت الاشتراكية والتخطيط الاقتصادي فإنها أقرت بالمساواة في الحقوق الاقتصادية بين المرأة والرجل و عبئت الشغيلة من الجنسين لتحقيق أهداف التنمية الصناعية.

    (2) المكتب الدولي للشغل‘ إسقاطات اليد العاملة.....‘ 1971 الجزء الخامس‘ بيان



    توجد علاقة ترابطية بين النمو الاقتصادي وانتشاره من جهة‘ ونمو الساكنة النشيطة و توزيعها حسب القطاعات الاقتصادية من جهة أخرى.

    في بداية القرن العشرين كانت الفلاحة في الدول النامية لا تزال تشغل 3/5 اليد العاملة. أما في سنة 1960 لم تعد الفلاحة في أوروبا تشغل سوى نصف هذه النسبة وهو ما يدل على الانخفاض السريع لليد العاملة ألفلاحيه حيث وصلت نسبة الشغيلة في قطاعات الصناعة الاستخراجية (المناجم) و الصناعة التحويلية (المعامل) والبناء إلى 33% ‘ بالإضافة إلى ذلك عرفت القطاعات الأخرى من تجارة ونقل وخدمات نموا سريعا بحيث تراوحت حصصها ما بين 19 و36 في المائة (3) .

    في تباين مع ذلك عرفت تركيبة الساكنة النشيطة حسب القطاعات الاقتصادية للدول السائرة في طريق النمو تغيرا بطيئا منذ بداية القرن الماضي بحيث كانت حصة اليد العاملة الزراعية تقدر بحوالي 80 % سنة 1900 لتصل سنة 1950 إلى 75 % وسنة 1960 إلى 73 % . يعزى هذا التحول الطفيف إلى بعض النمو في قطاع الخدمات أساسا‘ في حين لم تعرف قطاعات الصناعة الاستخراجية و التحويلية والبناء تغيرا كبيرا (4) .

    نفس الملاحظة تنطبق على الأرقام المطلقة: انخفضت اليد العاملة الزراعية في البلدان النامية ب 10 ملايين شخص خلال العشرية 1950-1960 في حين ارتفع عدد اليد العاملة الزراعية في البلدان السائرة في طريق النمو إلى 60 مليون شخص خلال نفس الفترة (5).

    شهدت المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي نموا اقتصاديا سريعا في جميع بلدان العالم تمثل في الارتفاع السريع للإنتاج الإجمالي للبضائع بمعدلات تكاد تكون مماثلة.

    خلال الفترة 1948 – 1955 عرفت البلدان النامية والبلدان السائرة في طريق النمو والتي تتبع اقتصاد السوق نموا في إنتاج الفلاحة والصناعة الاستخراجية والصناعة التحويلية بمعدل تقديري تراوح بين 31 % و 26 %‘ فيما ارتفع الناتج الداخلي الخام لجميع هذه البلدان بمعدل تقديري تراوح بين 4,7 % و 4,6 %. (6)

    خلال الفترة 1955 – 1960 عرفت البلدان الاشتراكية الأوروبية والآسيوية نموا سنويا للناتج الداخلي الخام يقدر ب 6,4 % ‘ مقابل 3,6 % في بلدان اقتصاد السوق (7) .

    (3) Bairoch et Limbor, Evolution de la population active dans le monde par branche d’activité et par région, 1968.
    (4) Ibid,
    (5) Ibid,
    (6) Nations Unies, Etude sur l’économie mondiale, 1955, 1956, tableau 1, p 26.
    (7) Hagen et Hawrylyshyn, Analysis of world income and growth ; 1969.


    ا) معدلات النشاط حسب العمر عند الذكور
    جرت العادة في بني البشر أن يزاول الفتيان والرجال أشغالا تعود عليهم وعلى ذويهم بالنفع إلى أن يبلغوا من الشيب عتيا. وحتى أولائك الذين لا يجدون عملا لا زالوا يبحثون عنه إلى أن يجدوه.العمر هو المقياس الأساسي في التمييز بين الناشطين من جهة‘ والأطفال والكهول من جهة أخرى. لذلك تناهز معدلات النشاط في الفئات العمرية ما بين 15 و65 سنة 90 في المائة بينما هي ضعيفة في فئة الأطفال الذين يقل عمرهم عن 15 سنة وفي فئة الكهول الذين يزيد عمرهم عن 65 سنة.
    من جهة أخرى تلاحظ اختلافات كثيرة بين المجتمعات فيما يتعلق بسن الولوج إلى الشغل وسن مغادرته بحكم العادات و أيضا بحكم قوانين الشغل المتبعة في كل بلد والمتعارف عليها دوليا. و الجدير بالذكر في هذا الصدد أن المواثيق الدولية تحرم اليوم تشغيل الأحداث‘ بما في ذلك القاصرات.

    الاتجاه العام الملاحظ في عالم اليوم هو أنه بقدر ما يكون البلد على درجة معينة من التقدم الاقتصادي و الاجتماعي‘ بقدر ما يكون سن الولوج إلى الشغل مرتفعا نسبيا لما يتطلبه الشغل المعاصر من سنوات طوال في التعليم و التأهيل‘ أضف إلى ذلك أن مدى الحياة عند الولادة تحسن كثيرا بفضل تحسن الصحة العمومية وبفضل انتشار التربية الصحية‘ بحيث أصبح من الممكن مزاولة الشغل إلى عمر يزيد عن 60 سنة.

    تفيد بعض الدراسات التي همت 40 بلدا‘ انطلاقا من معطيات الإحصاء العام للسكان سنة 1960 أن معدلات النشاط عند الذكور لجميع الفئات العمرية في الوسط القروي تفوق المعدلات المسجلة لهاته الفئات في الوسط الحضري‘ مع فارق كبير في الفئات العمرية أقل من 20 سنة و 64 سنة فما فوق‘ وفارق ضئيل في الفئات العمرية ما بين 25 و54 سنة. تأكد بعد التحقيق أن هذه الفوارق هي قاب قوسين أو أدنى الفوارق بين الدول النامية والدول السائرة في طريق النمو. خلصت هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها أن تقدم التعمير‘ كيفما كانت درجة نمو البلد‘ من شأنه أن يقلص من معدلات الشغل الخامة عند الذكور في الوسط الحضري مقارنة مع الوسط القروي بالنظر إلى عاملين أساسين: الأول هو هجرة الشباب القروي إلى المدن الذي يزيد في عدد الشباب القادر على الشغل في المدينة‘ والثاني هو أن الخصوبة في الوسط الحضري تقل عن الخصوبة في الوسط القروي وهو ما يسمح بامتصاص الشباب الوافد من القرية في الشغل (Cool .
    لاحظت الدراسة المذكورة أن معدل نشاط السكان في الأربعين بلدا كان يمثل 52,2 % بالوسط الحضري و56,5 % بالوسط القروي؛ أما العدد الخام للسنوات المقضات في الحياة العملية بالمدينة فهو يمثل عدد السنوات المتوسط التي يقضيها جيل من الأجيال في الشغل. أي بمعنى آخر إن طبيعة الشغل في المدينة تختلف بحيث أن الأشغال الزراعية‘ وإن كانت شاقة و تأخذ وقتا كبيرا لمزاولتها‘ فهي موسمية وترتبط بالتقلبات المناخية‘ أما في المدينة فهي يومية و مستمرة‘ ولذلك تتجاوز معدلات النشاط الخام فيها نظيراتها في القرية.


    (Cool E. Denti, Participation des populations urbaines et rurales à l’activité économique selon le sexe et l’âge, 1968.

    كانت مدن العالم الثالث مرتبطة باقتصاديات الدول الاستعمارية وخاصة المدن الساحلية كمدينة الدار البيضاء بالمغرب التي شكل ميناؤها نقطة عبور المواد الأولية‘ الضرورية للتقدم الصناعي لفرنسا‘ و نقطة استقبال للمواد التحويلية الصناعية والمواد الاستهلاكية لترويجها بداخل البلد. أما المدن الأخرى بعضها كان متواجدا و عريقا في التاريخ‘ بل وأكثر تنظيما وجمالية عما كانت عليه بعض مدن أوروبا في أوائل القرن العشرين كمدينة الرباط التي كانت شبكتها التصريفية متقدمة على بعض أحياء مدينة باريس في أوائل القرن العشرين (9)‘ وكان لها تأثيرا كبيرا على الثقافة السائدة وكانت معدلات الخصوبة فيها مرتفعة‘ على عكس مدن أوروبا الصناعية ‘ و يفسر أيضا المفارقة "الغريبة" التي لاحظها علماء الاجتماع في كون التعمير في البلدان السائرة في طريق النمو لا يرادف بالضرورة انخفاض معدلات الخصوبة في مدنها‘ بل العكس من ذلك.

    ب) معدلات النشاط عند الذكور حسب الوسط السكني و مستوى التعليم
    يرتبط سن ولوج الذكور عالم الشغل بمعايير اجتماعية‘ وعندنا في المغرب كان المعيار قديما ولا يزال هو البلوغ أو الكبر‘ ذلك أن الهدف من التربية القديمة هو أن يكبر الأولاد وأن يصبحوا قادرون على العمل والزواج كما يفعل غيرهم من الكبار‘ ولذلك كانت إستراتيجية العائلات المغربية و لا تزال إلى حد ما إستراتيجية اقتصادية‘ فالأولاد ينبغي لهم أن يساهموا في تقوية العائلة وفي جلب الرزق لها حالما يستطيعون ذلك. ويباشر الأولاد في القرى و المدن الشغل في سن مبكر‘ علما بأن الأولاد في القرى يتمرنون منذ صغرهم على الأشغال المختلفة وفي المدن يتمرسون على الصناعات اليدوية وعلى التجارة. كان الذكور يفضلون على الإناث وكانوا يتزوجون في سن مبكر لاسيما في القرى حيث الاقتصاد القروي يعتمد على الزراعة المعاشية والمنظم على شكل وحدات إنتاجية صغيرة وهو ما كان يسمح بتشغيل الأولاد في سن مبكرة و الاستمرار في العمل إلى سن متأخر.

    على خلاف ذلك يقوم نظام الاقتصاد الحضري الحديث على الأجرة النقدية حيث يتطلب الشغل اكتساب المعارف والمهارات والكفاءات خلال سنوات عدة وأيضا الذهاب إلى التقاعد عند بلوغ السن الذي تفرضه المعايير الاجتماعية وأنظمة التقاعد والتدابير القانونية والسياسات العمومية.

    في سنة 1959 أصدرت منظمة الأمم المتحدة دراسة تهم 30 بلدا في العالم أبرزت وجود علاقة ترابطية سلبية بين معدلات الشغل ومدة الدراسة للفئات العمرية الذكرية 10 – 14 سنة و 15 – 19 سنة‘ فمزاولة الدراسة لا تسمح إذن لهاته الفئات العمرية من الذكور بمزاولة الشغل. لا حظت الدراسة أيضا في عدد من الدول القليلة النمو أن بعض التلاميذ يدرسون ويزاولون في آن واحد أشغالا موسمية و أنه من الصعب تحديد أعداد هائلة في الفئة العمرية 13 – 19 سنة كتلاميذ أو كناشطين (10) .

    (9) Yahia Benslimane, Nous, Marocains. Permanences et espérances d’un pays en développement… , Sochepress.
    (10) Nations Unies, Accroissement de la population et de la main d’œuvre, 1960, p 66.

    و الواقع هو أن التعليم العصري أقترن تاريخيا بالاستعمار وكان هذا التعليم يهم المدن دون القرى ويقوم على السياسة الاستعمارية كسياسة ليوطي بالمغرب والتي درسها المفكرون المغاربة بما فيه الكفاية. و أكتفي بالقول أن التعليم هو مؤسسة اجتماعية وترتبط فعاليته و مدى نجاعته بلائمته مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي تنظم الإنتاج.

    لا توجد معطيات ذات دلالة إحصائية عن المتمدرسين بالمغرب خلال العشرية 1950 – 1960 ‘ وينبغي انتظار إحصاء 1971 الذي يتكلم عن تواجد ما يفوق مليون ونصف شخص‘ دونما التمييز ما بين التعليم الأصيل والتعليم العصري والكتاب القرآني‘ 70 % منهم في الفئة العمرية 5 – 14 سنة و نسبة الذكور تمثل 68 % من مجموع المتمدرسين.

    إن السمة الرئيسية لتوجهات معدلات النشاط الذكرية في الدول الصناعية خلال العشرية المذكورة هي بالتأكيد ارتفاع سن الولوج إلى عالم الشغل و انخفاض سن التقاعد. وكنتيجة لذلك لم تعد اليد العاملة تفني حياتها كاملة في الشغل في الزراعة ولكن زهرة عمرها مما أدى إلى تقلص الحياة النشيطة و بروز الوقت الثالث المخصص للترفيه و المتعة.

    إن الأسباب التي تكمن وراء هذا التغير الهام في حياة الشغل تتعلق كلها ببروز عوامل جديدة أصبحت تلعب دورا هاما في تقدم المجتمعات الصناعية المعاصرة‘ فالحاجة إلى التعليم وما يتطلبه من سنوات طوال رفعت من السن المتوسط للشغل الأول بحيث أن العلاقة الإحصائية بين مزاولة الدراسة و ارتفاع سن الشغل الأول علاقة واضحة‘ ثم أن انخفاض سن التقاعد واستقراره في حدود لا تتجاوز 55 – 65 سنة‘ بالنظر إلى أمل الحياة عند الولادة‘ إنما هو نتيجة مباشرة لتقلص اليد العاملة في الفلاحة و لارتفاع عدد المأجورين بشكل مواز ولإمكانية مزاولة أشغال مستقلة و لصياغة قوانين تتعلق بالضمان الاجتماعي وتدابير أخرى تتعلق بأنظمة التقاعد.

    وإذا كانت الحياة النشيطة قد تقلصت بفعل هذه العوامل حيث انخفضت ساعات العمل السنوية من 2662 ساعة إلى 1999 ساعة في الأنشطة الغير الزراعية خلال الفترة 1909 – 1964‘ فإن الإنتاجية عرفت ارتفاعا كبيرا لأنها إنتاجية أصبحت تقوم على تأهيل اليد العاملة وتخصصها وكسبها للكفاءات التقنية بفضل التعليم والتكوين المهني.

    امتد هذا التوجه إلى البلدان السائرة في طريق النمو بعد الحرب العالمية الثانية حيث لوحظ على المستوى الدولي انتعاشا في الاقتصاد العالمي. و تشير تقديرات المكتب الدولي للشغل 1950 – 1960 إلى أن مجموع هذه البلدان‘ بما في ذلك المغرب‘ عرفت انخفاضات مهمة في الشغل للفئات العمرية أقل من 20 سنة و 65 سنة فما فوق (11) .

    (11) Bureau International du Travail ; Projection de la main d’œuvre ;…1971, partie V, tableau 2.



    ت) السكان النشيطون الإناث
    قديما وعلى مر الأزمنة لن ولم يكن التعاطي للشغل ومزاولة الأنشطة المدرة للدخل تقتصر على الرجل دون المرأة. لقد كانت المرأة دوما حاضرة سواء في الزراعة أو التجارة أو الخدمات الأخرى من تمريض و تعليم وغيرها. و المرأة‘ حسب المعلومات المتوفرة‘ عهد إليها في جل المجتمعات‘ بما في ذلك المجتمعات العريقة في الديمقراطية‘ الأشغال المنزلية وتربية النشء والعسسعسة على قيم المجتمع الثقافية‘ كما أن المجتمعات المحافظة في العالم جميعها كانت تفضل الذكر على الأنثى‘ ليس من باب الديانات و النصوص المقدسة ولكن من حيث معتقدات العامة عن النصوص الدينية و بالخصوص من حيث اعتبار الإرث يعود بالدرجة الأولى إلى الذكر دون الأنثى.

    إن الأشغال المنزلية ليست في اعتقاد خبراء منظمة الأمم المتحدة أشغالا تخلو من أية قيمة‘ بل لها قيمتها بالنظر إلى التنمية البشرية المستدامة ولها تأثيرها الإيجابي على الناتج الداخلي الخام .

    يلاحظ من زاوية علم الاجتماع تقسيما في الأدوار بين الرجل والمرأة في المجتمعات بحيث أن المرأة كان دورها ينحصر في الأمومة والأشغال المنزلية‘ وهو دور كان يقوم على التنشئة الاجتماعية في المجتمعات التقليدية. لاشك أن متطلبات الحياة في المجتمعات التقليدية الغير الصناعية والظروف البيئية و الاقتصادية والعوامل الثقافية هي التي عملت على تقسيم الأدوار بين المرأة والرجل‘ حفظا للحياة ولاستمرارية بني البشر‘ وإلا كيف يعقل عاقل اشتغال الرجل والمرأة على حد سواء خارج البيت لساعات طوال في المجتمعات الماقبل صناعية دون تعريض الناشئة للهلاك‘ إلا أن يكون هذا الاشتغال ليس ببعيد عن البيت ؟

    ثم أن الرجال كثيرا ما كانوا يقومون بالحرب‘ والنساء كما يقال من ورائهم‘ ولذلك ينبغي معالجة هذه المسألة معالجة واقعية ومتأنية بالنظر إلى المصلحة الوطنية و علما بأن متطلبات التقدم الاقتصادي السريع القائم على التصنيع هي التي عجلت بدخول المرأة أفواجا عالم الشغل بشكل لم يسبق له نظير‘ وعلما بما طرحه ذلك من انعكاسات على المجتمع وعلى المرأة في مزاوجة الأدوار‘ناهيك عن التراجع المهول للزواج ولمعدلات الولادة في البلدان الصناعية.
    جاء في بعض الروايات الأدبية أن مناجم الفحم الحجري الأولى في انجلترا و سكوتلاندا كانت في أواخر القرن الثامن عشر تعج بالنساء و الأطفال والرجال الذين كانوا يشتغلون فيها ليل نهار وفي ظروف لاإنسانية. كانت هذه المناجم ملكا للأسياد من الطبقة الأرستقراطية وكانت اليد العاملة النسائية والذكرية و كذلك الأحداث بمثابة "عبيد" عند الأسياد يملكونهم كما يملكون الأرض ولا يحق لهم المغادرة وحق التصرف في مصيرهم‘ بالرغم من إقرار نص قانوني يسمح لهم بذلك عند بلوغ 21 سنة‘ إلا بكفالة (12).

    إن الإعتاق الاقتصادي للمرأة وولوجها عالم الشغل على قدم وساق مع الرجل هو ظاهرة حديثة العهد اقترنت تاريخيا مع ظاهرة عظمى حولت مجرى الشغل والاقتصاد في العالم بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ الإنسانية ألا وهي الثورة الصناعية التي بدأت في انجلترا عام 1850 وامتد تأثيرها إلى باقي دول أوروبا الغربية؛ ذلك أن النمو الاقتصادي الذي نجم عن هذه الثورة الصناعية هم الصناعات التحويلية و غير في العمق التكنولوجيا ونظام الإنتاج مما انعكس على المجتمع الذي عرف بدوره تحولات عميقة في البنيات الاجتماعية وفي العلاقات الاجتماعية ومنها علاقة الرجل بالمرأة.

    (12) Ken Follet, A place called freedom, Published by Crown Books.

    يبرز التقييم الذي قام به المكتب الدولي للشغل لإحصاء 1960 أن مشاركة المرأة في الأنشطة المدرة للدخل هي مشاركة متباينة في مختلف جهات العالم بحيث بلغت نسبة هذه المشاركة في الاتحاد السوفيتي (سابقا) أكثر من نصف الساكنة النشيطة وفي دول أوروبا الشرقية 42 % وفي دول أوروبا الغربية 34,3 % ‘ في حين كانت هذه المشاركة بنسبة 7 % في دول شمال أفريقيا و 6 % بالمغرب طبقا للأرقام المغربية الرسمية‘ وبنسبة 41 % في الصين الشعبية و40,7 % في اليابان‘ بينما تراوحت هذه النسبة من 15 إلى 18 في المائة في دول أمريكا اللاتينية‘ أما في الكويت كانت مشاركة المرأة في الشغل لا تتجاوز 1 % .
    من جهة أخرى كانت معدلات الشغل الخامة للإناث( نسبة الإناث النشيطات من مجموع الساكنة) 48 % في الاتحاد السوفيتي (سابقا) و 4 % فقط في دول شمال أفريقيا و 2,6 % في الأردن و 0,4 % في الكويت.
    أما في بعض الدول الآسيوية و الأفريقية المعروفة بتقاليد عريقة في مزاولة المرأة للأشغال الزراعية الموسمية كتايلاندا و غينيا والنيجر كانت هذه النسب 51,4 % في كل من تايلاندا وغينيا و57,3 % في النيجر (13).

    لا شك أن إحصاء 1960 في المغرب قد غيب المرأة من المشاركة في الشغل و بالتحديد الأشغال الفلاحية الموسمية‘ و يكفي أن أشير هنا إلى أن المزارع المغربي الذي كان عنده المال كان يشغل اليد العاملة الذكرية أو ما يسمى باللهجة المحلية " لخداما" و لكن المزارع الذي قصرت يداه ‘ وما أكثرهم‘ كان يلجأ إلى الاستعانة بزوجه وأبناءه وكل من في البيت‘ و هؤلاء لا يدخلون في التعريف الإحصائي للسكان النشيطين الذين يعتبرهم "مساعدون عائليون".

    لا تكتسي معدلات النشاط عند الجنسين نفس الأهمية الاقتصادية حسب التصنيف الوطني والدولي الوارد في الإحصاء العام للسكان‘ فالعديد من النساء المغربيات يزاولن أنشطة اقتصادية في البيت كصناعة الزرابي و الخياطة و الطرز وصناعة الزيوت وغيرها‘ وهي أشغال لا تحتسب بأنها دخل‘ رغم كونها كذاك‘ ثم هناك قطاع مهم ألا و هو الخادمات في البيوت الغير مصرح بهن‘ ثم أن المرأة لن ولم تكن أبدا شخصا تتحمله العائلة مثلها في ذلك مثل الطفل أو الكهل‘ بل على العكس من ذلك.

    يعتبر خبراء الأمم المتحدة أن الامتياز الاقتصادي في وجود نسب مرتفعة لمعدلات النشاط عند الإناث هو امتياز وهمي إذا كان هذا يعني أن المرأة تنتج في المجتمع مقابل دخل معين نفس الخيرات ونفس الخدمات التي كانت تنتجها في البيت دون أي مقابل مادي (14) .

    (13) Nations Unies, Annuaire démographique, 1964…., 1965, tableau 8.
    (14) Nations Unies, Causes et Conséquences de l’Evolution Démographiques…, p 318.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:40 pm