منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    المقاربة السكانية لليد العاملة بالمغرب من 1950 إلى أفق 2020 ( تابع )

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    المقاربة السكانية لليد العاملة بالمغرب من 1950 إلى أفق 2020 ( تابع )

    مُساهمة  عمرو قضاض في الإثنين أبريل 22, 2013 12:47 pm

    ملاحظة: ورد في المساهمة السابقة خطأ مطبعيا‘ لذا الرجاء قراءة في الفقرة "ب" بملائمته عوض بلائمته مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى.


    ث) دور العوامل الثقافية في النشاط الاقتصادي
    إن إنتاج الخيرات والخدمات هي ظاهرة اقتصادية‘ لكن هذا لا يعني أن النشاط الذي يتعلق بهذا الإنتاج هو في منأى عن تأثيرات عوامل أخرى لا اقتصادية إذ  من الواضح أن معدلات النشاط عند الإناث تختلف من بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى‘ فالقيم الثقافية والتقاليد والمعتقدات تؤثر ليس فقط على تعاطي المرأة لشغل مدر للدخل ولكن أيضا على تصريحها عند الإحصاء بهذا الشغل‘ ذلك أن المجتمعات التي تشجب اشتغال المرأة لا تسمح للواتي يشتغلن التصريح بذالك.

    و من تقاليد المرأة في بعض الدول الأفريقية أنها تقوم بزراعة الحبوب و غرس النبات وحماية النبات من الأعشاب المضرة وبالحصاد والجني‘ أي أنها تقوم بأشغال الفلاحة في جميع مراحلها. وفي غانا لوحظ أن النساء يشتغلن بكثرة بالتجارة؛ فلا غرابة إذن من كون معدلات النشاط للمرأة في هذه البلدان كانت مرتفعة خلال الفترة المعنية.

    أما الصورة في دول شمال إفريقيا ودول أوروبا  المطلة على البحر الأبيض المتوسط و معظم دول أمريكا الجنوبية التي يقدمها إحصاء 1960 فهي ضعيفة في معدلات الشغل عند الإناث.

    إن القاسم المشترك بين هذه الدول هي كونها دول محافظة حيث المعتقدات والتقاليد في مقاربة النوع تشجب خروج المرأة من البيت لمزاولة الشغل أو لا تعترف للمرأة بحق الشغل حتى وإن كانت تزاوله فعليا.

    إن مسألة التقاليد بين ماهو صالح وماهو طالح  وبين الأصالة والمعاصرة  طرحت في  معظم المجتمعات في العالم‘ لكن بدرجات متفاوتة تاريخيا‘ ولا زالت تطرح.

    إن الثقافة في أوروبا الغربية هي أصلا ثقافة كانت ولا تزال إلى حد ما محافظة. فلولا بروز النظام الرأسمالي الصناعي الذي كان يأكل عرق جبين الرجال والنساء والأطفال على حد سواء‘ ولولا الحربين العالميتين حيث زهقت أرواح الملايين من الرجال تاركين وراءهم فراغا مهولا في الشغل‘ ولولا الإكراه الاقتصادي الذي أرغم المرأة على الخروج من البيت والبحث عن الشغل ‘ ولولا النضال النقابي والسياسي المرير‘ ولولا الحركة النسائية‘ ولولا الاشتراكية‘ ولولا الديمقراطية‘ ولولا حركة الإصلاح العربية‘ لما تغيرت العقليات.

    لم تعد الثقافة في أوروبا تنظر إلى المرأة بنفس النظرة التقليدية التي كانت عندها قبل القرن التاسع عشر‘ ومع ذلك لا زالت المرأة في أوروبا تعاني من التمييز الاقتصادي ولاسيما فيما يتعلق بالأجور وبلوغ مراكز القرار(15).
    إن مبدأ السياسة الاجتماعية في الدول الاشتراكية القاضي بمساواة الرجل مع المرأة في الشغل لم يطبق من غير أن يطرح مشاكل عويصة ومنها أن المرأة أصبحت تعاني الأمرين: الشغل في البيت والشغل خارج البيت؛ كذلك الشأن في دول أوروبا الغربية‘ فالسياسة لا تكفي‘ إذ لابد للعقليات من أن تتغير. فالسياسة لها ما يبررها لأن التطور السريع الذي حول بنية  الاقتصاد من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي كان قد استنفذ اليد العاملة الذكرية وفسح بذلك المجال لتشغيل اليد العاملة النسائية‘ كما أن تلك الدول اتخذت تدابير فعلية تشجع المرأة على الشغل كتعليم الفتاة وتطوير التشريعات الاجتماعية والخدمات الصحية للأطفال.

    (15) Nations Unies, Commission économique pour l’Europe, Etude sur la situation économique de l’Europe en 1949, 1950 p 238 à 243.


    إن مسألة تغير العقليات مرتبطة بمدى توفر الخدمات الاجتماعية - الثقافية للمواطنة وللمواطن و بالتأطير الاجتماعي والسياسي والثقافي.

    جاء في برنامج اليونسكو حول البعد الإنساني للتطور أن "الثقافة هي في آن واحد العنصر المحرك لصيرورة التطور والهدف الثقافي لتنمية ولتقدم المجتمع. ولذلك من اللائق أن ينكب الانتباه على فحص العلاقة الدينامكية الموجودة بين البنيات الاقتصادية والأنظمة الثقافية والبحث عن توازن أفضل بين المناهج المعتمدة في تنظيم الإنتاج  وأنماط الحياة‘ بهدف العمل على ملائمة مشاريع التنمية مع المحيط الثقافي‘ طبقا لطموحات الساكنة".

    يكتسي التأطير الثقافي أهمية بالغة في صيرورة النمو. فالصين الشعبية لجأت إلى إحداث ثورة ثقافية _ طبعتها مع الأسف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان _ مكنتها من المرور مباشرة ومن دون مرحلة انتقالية تقريبا‘ من مجتمع تراتبي حيث تعدد الزوجات واستعباد المرأة إلى مجتمع العصرنة النسائية‘ ومن المرور من الفلسفة الصينية الكلاسيكية القائمة على التصنيفات إلى المناهج التجريبية للعلوم الحديثة. كما أن بلدانا مثل تايوان وسنغافورة  وبورتوريكو  والشيلي عرفت في أوائل الستينيات من القرن الماضي خصائص اقتصادية واجتماعية قريبة من خصائص البلدان حيث معدلات الولادة منخفضة. كانت معدلات الوفيات عند الأطفال في تايوان أقل من مثلها في أوروبا الوسطى ومؤشرات التعليم ووسائل الاتصال متشابهة معها وكان معدل التعمير مرتفعا في سنغافورة حيث نسبة ضئيلة من الساكنة تشتغل بالفلاحة‘ بالإضافة إلى ارتفاع  كل من الدخل وانتشار الجرائد وارتفاع عدد متلقيي الإذاعة الوطنية والمقبلين على قاعات العروض السينمائية (16) .

    إن الأداء الاقتصادي الجيد لا يكمن إذن في تكوين الرأسمال وحده أو في اقتصاد الهبة للدول المانحة (17) الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية‘ أو جلب الاستثمارات الأجنبية وحدها؛ ولكن يكمن في التلاؤم الذي تجده البنيات الاقتصادية مع بنيات التأطير الاجتماعي والسياسي والثقافي (18).


    (13) Danièl Meulders, La place des femmes dans le monde du travail, parue dans Internet, Thème: FEMMES. حسب هذه الدراسة في سنة 1997 يوجد في أوروبا 10  %  من الرجال في مراتب العليا للإدارة مقابل 6  %  من النساء وأن اللوائح الانتخابية لسنة 1999 يحتكرها الرجال  
    (14) Nations Unies, Bulletin démographique….. , 1965, p ; 150 à 169.
    (15) Pierre Uri, L’Economie de Don ; également Ernest Wageman, La Stratégie économique, traduction Française, Payot )1938)
    (16) Raymond Barre, Développement économique et biologie sociale, Critique, Décembre 1954.



    ج) الحالة الزوجية والشغل عند المرأة
    يلاحظ من بيان منظمة الأمم المتحدة الذي يتعلق بمعدلات الشغل المتوسطة للإناث حسب العمر وحسب الحالة الزوجية في 12 بلد صناعي خلال الفترة 1948 – 1956 (19) أن جل الفتيات يحصلن على شغل عند مغادرتهن للمدرسة وإلى حين زواجهن على الأقل؛ بل أن في بعض الدول مثل النرويج وايرلندا كانت النساء  تمثلن أكبر حصة في الساكنة النشيطة بنسبة 70 %  و80  % على التوالي‘ وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في آخر القائمة بنسبة لا تمثل سنة 1960 سوى 24 % . أما معدلات الشغل عند المتزوجات فكانت أقل بكثير من معدلات الشغل عند العازبات إذ تراوحت ما بين 5  % في كل من النرويج و ايرلندا إلى 46,5 %  في اليابان. أما معدلات الشغل عند الأرامل و المطلقات والمنفصلات كانت أقل من معدلات النشاط عند العازبات ولكن أكثر من معدلات النشاط عند المتزوجات‘ بينما في الاتحاد السوفيتي (سابقا) و بلدان شرق أوروبا فإن معدلات الشغل  للنساء المتزوجات تتصدر القائمة ووصلت إلى 2/3 في تشيكوسلوفاكيا في الفئات العمرية 35 – 49 سنة.

    تخلص الدراسات العديدة حول هذا الموضوع إلى أن واجبات الأمومة عند المرأة في أوروبا الغربية هي السبب الرئيسي الذي يحول بين النساء المتزوجات في هذه الدول وبين مزاولة الشغل؛ أما في البلدان الزراعية القليلة النمو ‘حسب الإحصائيات المتوفرة‘ فإن الظروف مختلفة تماما لأن المرأة في هذه الدول تزاول أشغالا اقتصادية في البيوت كخادمات أوفي وحدات الفلاحة العائلية أو في حانوت البيع بالتقسيط أو تزاول أشغال الصناعة التقليدية في البيت‘ الخ... ‘ فلا توجد علاقة بين شغل المرأة و الحالة الزوجية‘ وإن كانت فهي علاقة إيجابية (20).




    (17) Nations Unies, Causes et Conséquences…….. , p 320 à 321.
    (18) A.J. Jaffe et K.Azumi, The birth rate and cottage industries, 1960 ; Gendel, The influence of family-building, 1967

    بيان3: معدلات الشغل بالمائة حسب عمر العازبات والمتزوجات بالمغرب‘ إحصاء 1960
    المتزوجات العازبات الفئات العمرية
    5,5 21,3 15 فما فوق
    4,3 16,4 15 – 19
    4,7 30,9 20 – 24
    5,1 32,9 25 – 29
    5,4 28,9 30 – 34
    6,1 40,6 35 – 39
    6,3 28,7 40 -44
    6,8 38,0 45 – 49
    6,7 28,6 50 – 54
    7,0 28,5 55 – 59
    6,7 20,7 60 – 64
    6,2 14,7 65 فما فوق
    المصدر: الأمم المتحدة‘ النشرة السنوية السكانية‘ 1965


    حسب هذه الأرقام تراوحت نسبة معدلات الشغل عند المتزوجات في المغرب سنة 1960 بين 4,3 و7 في المائة وهي أرقام جد منخفضة و في رأي خبراء الأمم المتحدة فإنها تقصي  نساء المزارعين وبناتهم المتزوجات اللواتي يساهمن في الإنتاج‘ ونظرا أيضا في رأيي  وحسب تجربتي الشخصية في البحث الميداني‘ لوجود مشاكل لاستجواب المتزوجات مباشرة من طرف الرجال المجندون في الإحصاء واكتفاء هؤلاء بتسجيل ما يصرح الذكور وهذا ينعكس بوضوح على معدلات الشغل عند غير المتزوجات والمقصود بهم في البيان العازبات‘ إذ لا يعقل أن تكون متضخمة في الفئات العمرية 20 – 55 سنة و متدنية في الفئات العمرية 15 – 19 سنة وهذا تناقض ثقافي واضح بالنظر إلى التقاليد المغربية آنذاك وبالنظر أيضا إلى الزواج الذي هو زواج شرعي لا مجال للخصوبة الغير الشرعية فيه خصوصا في ذلك الوقت؛  ثم أنه من جهة أخرى كثيرا ما كان يعني الإحصاء الذي كان ينظمه المستعمر‘ الغرض منه هو فرض الإتاوات و الضرائب وهذا يؤثر ولا شك على التصريح بالشغل المدر للدخل القليل في بعض القطاعات كالصناعة التقليدية في المدن؛ ولذلك لا يمكن اعتماد هذه الأرقام في البحث العلمي‘ ولكن يمكن اعتبارها خطأ قابل للمراجعة.  

    ح) العيال ومعدلات الارتباط
    المعال (بضم الميم) لغويا‘ هو الشخص الذي يعتمد في قضاء حاجاته المعيشية على شخص آخر‘ والعيال اصطلاحا هم الأشخاص الذين يعيلهم رب الأسرة‘ والفهم الأقرب في الثقافة العربية يعني أولا الزوج‘ثم الأبناء‘ ثم الأقربين‘ الخ‘. ويعرفهم علم السكان بأنهم الأشخاص الغير النشيطين والغير قادرين على الشغل ويقصد بهم الأطفال أقل من 15 سنة والكهول في فئة 60 سنة فما فوق.

    يفسر تواجد أعداد كبيرة من المعالين في الدول السائرة في طريق النمو  بارتفاع معدلات الولادة فيها ويظهر الفرق مع الدول الصناعية عندما يحتسب هؤلاء كأشخاص غير نشيطين  لكل 100 شخص يزاول نشاطا اقتصاديا وقد لا يظهر إذا تم احتسابهم على أساس البنية العمرية للسكان فقط.
     
    يظهر من البيان الأول أن نسبة المعالين سنة 1960 في مجموع العالم كانت 134 شخص لكل 100 شخص يزاول نشاطا اقتصاديا فعليا و تتوزع هذه النسبة بين المجموعتين من البلدان بحصة 122 في الدول المتقدمة و 140 في الدول السائرة في طريق النمو. ويلاحظ أيضا ارتفاعا كبيرا في نسب أمريكا اللاتينية  وأفريقيا الشمالية حيث كانت النسب على التوالي 205 و246 شخص معال لكل 100 شخص يشتغل‘ وفي أمريكا الشمالية كانت حصتها  158شخص معال وهي تفوق حصة مجموع البلدان السائرة في طريق النمو (140 شخص معال) بحيث تفيد بعض الدراسات أن معدلات الشغل الخامة تدهورت فيها بعد سنة 1950.

    إن ما يفسر كثرة العيال في المغرب وفي دول شمال أفريقيا‘ من وجهة نظر علم اجتماع الأسرة‘ هو تواجد نمط العائلة الممتدة حيث كثرة الأطفال‘ ومن وجهة نظر علم السكان تواجد نسب مرتفعة للأطفال في بنية الأعمار للساكنة.

    عرف سكان العالم خلال الفترة 1950 – 1970 نموا سنويا يقدر ب 1,9 في % ‘ ويهم هذا النمو جميع البلدان‘ وتأتي الإحصاءات العامة للسكان سنة 1960 لتؤكد هذا التوجه إلى الارتفاع السريع للسكان في العالم‘ وهو ما أثار انتباه بعض الحكومات التي لاحظت بأن ساكنات بلدانها تتزايد بشكل لم يكن متوقعا من قبل وأن هذا قد تكون له انعكاسات سلبية على تقدمها الاقتصادي والاجتماعي وعلى مستوى تحسن المعيشة.

    و تجدر الإشارة إلى أن معدلات الولادة التي كانت قد سجلت ازديادا ملحوظا في الدول الصناعية سنة 1950 بدأت تتراجع منذ سنة 1960 في معظم هذه الدول‘ في حين بقيت هذه المعدلات على حالها في الدول السائرة في طريق النمو‘ وهو ما سيؤثر على اقتصاديات هذه الأخيرة و يثقل كاهل الأسرة والمجتمع بأعداد كبيرة من العيال التي تطرح مشاكل سكانية واقتصادية وثقافية.    


    إن وضعية  الشغل في العالم سنة 1960 التي يقدمها المكتب الدولي للشغل‘ بالرغم من كونها تفتقر إلى الدقة في الأرقام و التفاصيل‘ فهي على كل حال ذات دلالات مهمة بحيث أنها تكشف أولا عن الفاصل الحاصل في طبيعة الشغل بين الدول الأكثر تقدما و الدول السائرة في طريق النمو؛ هذا الفاصل لا يكمن في كمية الشغل المطلقة و في ظاهر الأرقام التي قد تتقارب و لكن في ما تعبر عنه هذه الأرقام و فيما تنم عنه من صيرورات مختلفة للساكنة النشيطة في العالم‘ وتكشف ثانيا عن الحد الفاصل بين هذا الشغل و ذاك ألا و هو التصنيع الذي يتطلب في مراحل نموه الأولية وفرة اليد العاملة‘ بما في ذلك اليد العاملة النسائية. و أخيرا يمكن اعتبار العشرية 1950-1960  أرضية لتتبع الساكنة النشيطة في المغرب وفي العالم و محاولة ضبط كيفية تطورها مع إبراز بنياتها الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:42 pm