منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    حجم السكان في المغرب الكبير و اقتصاديات السلاليم

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    حجم السكان في المغرب الكبير و اقتصاديات السلاليم

    مُساهمة  عمرو قضاض في السبت أبريل 05, 2014 2:31 pm

    ب) حجم السكان في المغرب الكبير و اقتصاديات السلاليم
    في الجزء الأول من السكان و الإنتاج الاقتصادي عرضت إلى علاقة السكان بالمردودية التراجعية للفلاحة كما طرحت بعض الجوانب التي تتعلق بالتنمية القروية و مشاكلها؛ في هذا الجزء الثاني أعالج مسألة الحجم السكاني و علاقته بالاقتصاد الداخلي و الخارجي للمقاولات مع طرح بعض الأفكار حول اتحاد بلدان المغرب الكبير و ما يسمح ذلك من تفكير في التنمية وطنيا و إقليميا.  
    تبرز العلاقة بين حجم السكان و اقتصاديات السلاليم من خلال أوجه عدة: أولا نظرا لوجود علاقة بين حجم المقاولة أو قدرتها الإنتاجية و فعالية أدائها؛ ثانيا يشكل حجم السكان الكبير نسبيا امتيازا لدى الصناعات التي تشتغل بمردودية تصاعدية و أن اقتصاديات السلاليم تفترض وجود حجم مهم من السكان في البلد أو الإقليم؛ ثالثا وجود سوق للطلب يسمح بدفع القدرة الإنتاجية إلى مستواها الأمثل.

    قبل أن أتطرق إلى هذه العلاقات يجدر أولا تحديد مفهوم اقتصاديات السلاليم و الإحاطة بمدلوله’ علما بأن الديمغرافيا و إن كان موضوعها الرئيس هو التحليل الكمي للسكان فهي أيضا علما متعدد الشعاب و منفتحة على العلوم الأخرى بما في ذلك علم الاقتصاد.

    ترتبط اقتصاديات السلاليم عند الاقتصاديين بفعل الزيادة في الإنتاج و المترتبة أساسا عن الاستعمال المتزايد لعوامل الإنتاج. و إذن لا بد من تحقيق زيادة في الإنتاج بقدر كاف حتى تظهر اقتصاديات السلاليم و تحديدا عندما يكون معدل الإنتاج أقوى من معدل الزيادة في عوامل الإنتاج. و بصيغة أخرى نقول  يؤدي الرفع من عوامل الإنتاج بقدر كاف إلى تحقيق معدل متفوق في الإنتاج.
    لتحليل نتائج الرقي في الإنتاج أو ما يسمى بنتائج سلم الإنتاج ينبغي التمييز بين الاقتصاديات الداخلية و الاقتصاديات الخارجية؛ و تعني الأولى الثمار التي يتم جنيها على مستوى المقاولة أو المعمل’ بينما يقصد بالثانية الثمار التي يتم جنيها على مستوى تطور الصناعة و الاقتصاد بشكل عام.

    أ) مفهوم الاقتصاد الداخلي

    ليست كل مقاولة قادرة على تحقيق اقتصاديات داخلية’ إذ لا بد من توفر هذه المقاولة على حجم أدنى حتى يكون أداءها الاقتصادي أداءا فعالا. إذن لا بد للمقاولة أن تستجيب لبعض الشروط في استعمال الموارد’ البشرية أساسا’ و في طرق الإنتاج مثل الاستعمال المكثف لعوامل الإنتاج كما هو الشأن في المقاولات الكبرى العمومية و الخاصة’ التخصص في الإنتاج و تقسيم العمل الذي يقوم على قدر معين من الإنتاج’ و استعمال الإمكانيات التي يتيحها البحث العلمي لتطوير الإنتاج.
    بتفصيل نقول على المقاولة
    - أن تستعمل أدواة تجهيز من العيار الثقيل’ بحيث يكون لكل آلة أو لكل أداة تخصصها.
    - أن تقتصد في المواد الأولية ( الطاقة أساسا) و في المنتجات التحتية.
    - أن تستعمل يدا عاملة متخصصة و أن تحسن التدبير بوضعها لقواعد تدبيريه واضحة تروم الشفافية و أن تحارب الفساد.
    - أن تقتصد في شراء المواد الأولية و في شراء خدمات النقل و اللوجستيك و في التمويل.
    و بتلخيص على المقاولة الاستعمال الأمثل للآلات و استعمال يد عاملة كفئة و تحسين تقسيم العمل و اللجوء إلى البحث العلمي و التطوير فيما يتعلق بالطرق الجديدة في الإنتاج و المنتجات الجديدة.

    ب) مفهوم الاقتصاد الخارجي

    الاقتصاد الخارجي هو بشكل عام كل ما تحققه المقاولة الصناعية في توسعها بحيث يسمح التوسع الاقتصادي للمقاولة الصناعية بتخفيض كلفة الإنتاج عند مجموع المقاولات الصناعية التي تشتغل بنفس القطاع كيفما كان مستواها الإنتاجي. بهذه الطريقة يمكن تحقيق اقتصاديات سلاليم خارجية خاصة وأن المقاولات و وحدات الإنتاج مرتبطة فيما بينها و أن الرأسمال المخصص للبنيات التحتية يصلح لجميع هذه المقاولات. لذلك نجد مفهوم الحي الصناعي هو في الواقع يصلح لدعم المقاولات الصناعية ببنيات تحتية و تجهيزية في المستوى المطلوب ( و ليس في المستوى الذي تتخبط فيه الأحياء الصناعية الجديدة بالدار البيضاء كلما تهاطلت الأمطار بغزارة) و للترابط الوثيق بين المقاولات و للدفع قدما بمستوى تقسيم العمل باعتباره’ كما أوضح ذلك ابن خلدون منذ قرون خلت’ شرطا ضروريا للتوسع الاقتصادي و للرخاء الاجتماعي.
    من أجل ذلك يؤكد العديد من الخبراء على دور الدولة في دفع عجلة التصنيع و على ضرورة تمركز الرأسمال في يد الدولة فيما يتعلق بإنجاز الخدمات العمومية مثل البنيات التحتية’ الطرق و المواصلات’ بناء الموانئ’ و إنتاج الطاقة’ و غيرها من الخدمات الضرورية؛ علاوة على ذلك تكون الاقتصاديات الخارجية ليس في صالح المقاولات فحسب و إنما تمتد آثارها الإيجابية إلى الإدارة العمومية و إلى الدفاع الوطني.
    على المستوى الإقليمي إن تحقيق الاتحاد المغاربي’ من منظور الاقتصاديات الخارجية’ يمر عبر مجهود كل دولة للبلدان المغاربية في توفير القاعدة الصناعية للتكامل الاقتصادي. ثم أن التكامل الاقتصادي يفرضه حجم السكان الذي يشكل سوقا إنتاجية و استهلاكية على حد سواء قوية نسبيا و يمكن لهذا التكامل بين المقاولات في مختلف البلدان المغاربية أن يقدم بعضها إلى البعض خدمات مجانية ’ من غير تعويض أو خدمات تخفض من كلفة الإنتاج لدى المقاولات المتوسطة الحجم. ولقد رأينا في عرضنا السابق لعلاقة حجم السكان بالمردودية التراجعية للفلاحة أن ما يميز عموما التعمير في البلدان المغاربية هو وتيرته المتسارعة بفعل الهجرة القروية و بفعل معدل التزايد السكاني. إذن’ التمركز السكاني في بلداننا قلما نجده يقوم على الدور الرئيس للتصنيع كما هو مطلوب. في كتابه حول " الاستقرار الصناعي" قال ماكس فيبر : " إن تموقع الصناعات يشكل روح ( و لا أقول السبب ) كبريات التمركزات السكانية الحالية ". و لذلك كان الاقلاع الصناعي للبلدان المغاربية ضرورة يمليها التطور الحالي لنمو التعمير فيها. ثم لا يمكن الاكتفاء بصناعة الغاز و البترول لأن هذه الصناعة لا تتطلب وجود قاعدة صناعية صلبة و ترابط صناعي بين المقاولات لتحقيق الاقتصاديات الخارجية التي يمكن للمقاولات المتوسطة و الصغرى الاستفادة منها’ و هنا يكمن الفارق بين الريع الاقتصادي و التصنيع. أضف إلى ذلك أن بلدانا مثل ليبيا و موريتانيا و تونس حيث حجم السكان قليل نسبيا يمكن لها أن تستفيد من الموارد البشرية المتوفرة لحسن الحظ في كل من المغرب و الجزائر.   و أخيرا أن التكامل الاقتصادي المغاربي هو تكامل عمودي و بالتالي فإن كل إنتاج موجه للاستهلاك المغاربي يؤدي إلى إنتاج مواد استهلاكية أخرى بفعل تحسن القدرة الشرائية التي هي من نتائج الزيادة في الإنتاج و التقدم الاقتصادي و بفضل توسع القاعدة السكانية الاستهلاكية.
    تشكل الاقتصاديات الخارجية في إطار التكامل بين البلدان المغاربية الحل الأنجع للخروج بشكل نهائي من وضعية التخلف و من البطالة و من الفقر و من الهشاشة الاجتماعية و من الثنائية الاقتصادية الموروثة عن الاستعمار و من الحد من العجز التجاري المزمن. إذن الاتحاد المغاربي هو ضرورة تنموية يفرضها الواقع الاقتصادي و السكاني لبلدانه.
    إن تطوير الاقتصاد يفترض سوقا موسعة للاستفادة من الاقتصاديات الخارجية  المترتبة على الإنتاج الواسع و للاستفادة أيضا من الاقتصاديات الخارجية المترتبة عن تطور الصناعات جميعها بما في ذلك تطور المقاولات المتوسطة و الصغرى. من جهة أخرى تسمح السوق الموسعة’ في إطار التكامل الصناعي’ بالتخطيط الصناعي الموسع عبر توسع الطلب و عبر الضمانات الكبيرة لتصريف المنتجات و عبر ما يحفز كل ذلك على الاستثمار.

    خاتمة أولية عن اقتصاديات السلاليم

    تسمح اقتصاديات السلاليم ليس فقط بتخفيض كلفة الإنتاج و لكن أيضا يمتد تأثيرها إلى تحفيز الاستثمار و هذين الشرطين ضروريين لتحقيق ما يسمى بالتنمية المتوازنة و بالتالي للحد من الاختلال الموجود بين السكان و الموارد الطبيعية.

    1. حجم المقاولة و فعالية  الأداء

    يعبر حجم المقاولة على قدرتها الإنتاجية’ بينما تقاس الفعالية في الأداء بواسطة  المردودية لكل عامل و عاملة. تثبت الدراسات التي تعنى بالموضوع أن العلاقة بين الإنتاج الإجمالي و الإنتاج حسب كل عامل و عاملة يتراوح بين +5,0 إلى +7,0 . هذا المعطى يعطي الامتياز للمقاولات ذات الحجم الكبير’ في حالة الأخذ بعين الاعتبار الاقتصاديات الداخلية’ لكن الأداء الاقتصادي يكون أيضا ناجعا عند المقاولات المتوسطة و الصغرى من حيث الاقتصاديات الخارجية نظرا للترابط الوثيق بين المقاولات جميعها فيما يتعلق بالموارد و بالمواد و بالمكونات و بالخدمات أو بالمنتجات البينية و المنتجات التحتية. و إذن تستفيد المقاولات الشابة أو الجديدة بامتيازات الاقتصاديات الخارجية عندما يكون الاقتصاد على درجة متقدمة من النمو نسبيا’ بل تعتبر من حيث العدد و التنوع مشغلا مهما لليد العاملة و حلا أمثل للقضاء على البطالة. لذلك كانت المبادرات التي  تروم خلق مشاريع مدرة للدخل و تحارب الفقر و جهود المجتمع المدني غير كافية في غياب مجهود الدولة ’ إدارة مركزية و جماعات محلية’ الذي لا بديل عنه في تشييد البنيات التحتية.
    2. حجم السكان و اقتصاد السلاليم
    تظهر تجربة البلدان الصاعدة أن حجم السكان بقدر ما يكون كبيرا بقدر ما يسمح للمقاولات على جميع أصنافها بتحقيق مردودية تصاعدية. غير أنه من الصعب الربط بين حجم السوق و مساحة البلد بحيث يمكن للسوق أن يلبي الحاجيات الوطنية و حاجيات التصدير أي الحاجيات الخارجية.

    3. إشكالية حجم السوق الوطنية و الإقليمية

    يؤكد الخبراء أن الإدماج الاقتصادي للبلدان التي تقدر ساكنتها ب 10 إلى 15 مليون نسمة يحقق اقتصاديات مهمة جدا. يعتبر البعض منهم أن البلد الذي يتوفر على 20 مليون نسمة قادر على ضمان مجموع الاقتصاديات التي تنجم عن الإنتاج العريض’ أي الإنتاج على نطاق واسع’ بينما يرى البعض الآخر أن الشرط الكافي للرفع من الإنتاج إلى أقصاه هو تواجد ساكنة تتراوح ما بين 100 إلى 135 مليون نسمة كما حصل ذلك في تجربة الولايات المتحدة الأمريكية. و تفيد تجارب العديد من البلدان أن الزيادة في حجم السكان من 2 إلى 50 مليون نسمة يضاعف تقريبا من الإنتاج الصناعي الفردي في القطاعات التي تتوفر على اقتصاديات السلاليم كالصناعات التحويلية.
    و يبقى حجم الطلب في السوق هو العامل الحاسم في تحقيق التوسع المتنوع للجهاز الإنتاجي.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:42 pm