منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    السكان و الصحة ’ أين تقع المسرولية؟

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    السكان و الصحة ’ أين تقع المسرولية؟

    مُساهمة  عمرو قضاض في الأحد مايو 18, 2014 1:36 pm


    سئمت تكاليف الحياة و من يعش ثمانين حولا لا أبى لك يسأم
    رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته و من تخطأ يعمر فيهرم

    هكذا كان قديما موقف أبو العلاء المعري من الحياة و من الموت. إذا كانت حياة البشر في المعتقد الإسلامي عطاء من الله سبحانه لها طابع قدسي بحيث لا يحق لأحد من خلقه أخذها من غير حق’ فإنها لا تخلو من تكاليف عدة كالمأكل و المشرب و الملبس و السكن و النكاح و التطبيب و العلاج و ما إلى ذلك. في البيت الأول يتكلم الشاعر عن السأم الذي أصابه و هو في الثمانين من عمره’ حيث و لا شك أصابه أو بدأ يصيبه الوهن و العجز عن الاستمرار في تلبية حاجياته الأساسية و هو ما يطرح في وقتنا الحاضر مسألة الشيخوخة و حق الكهول في العيش الكريم أو على الأقل حقهم في الأمل ما داموا على قيد الحياة في قضاء شيخوخة تخفف من حدة آلامهم و معاناتهم اليومية. إذن الشاعر هنا مستاء تماما بالنظر إلى تقدم سنه و أيضا نقول بالنظر إلى الوضعية الصحية في مجتمع زمانه حيث البنيات الطبية – الاجتماعية كانت شبه منعدمة. في البيت الثاني لاحظ المعري بأن المنية أو الموت هي في الواقع منايا ( بصيغة الجمع ) و أنها تتوزع توزيعا عشوائيا خلال حياة الفرد. فالموت في القرآن الكريم هو قدر محتوم و المقصود به أولا أنه من الناحية المرفولوجية  آخر مراحل تطور الجسم الذي ينتقل من التكوين بداخل الرحم إلى الوضع’ إلى الشباب’ ثم الكهولة’ ثم الفناء؛ لكن توجد مع هذه القاعدة الطبيعية لتطور الجسم استثناءات عدة تتجلى في الوفاة بسبب عوارض عدة كما كان يقول الحكماء و تشمل كلما يعترض التطور الطبيعي للجسم البشري و هلاكه. هذا ما يقره علم السكان الحديث الذي يدرس و يحلل توزيع الوفيات حسب العمر و حسب الجنس و حسب أسباب الوفيات أيضا’ كما أن المدخل الديمغرافي لدراسة الصحة لا زال يعتمد إلى حد بعيد على إبراز معدلات الوفيات قبل السنة الأولى من العمر’ و وفيات الأمومة و الطفل’ باعتبارها مؤشرات تعبر عن التقدم الاجتماعي و الاقتصادي و يمكن مقارنتها مقارنة دولية و تحديد مستوى التقدم الصحي في بلد معين. كذلك إن ما يسمى بأمل الحياة عند الولادة هو مؤشر تركيبيا للوفيات و قيمته الإحصائية هي قيمة متوسطة’ و هو مؤشر يصلح لمقارنة مدى تقدم المجتمع اجتماعيا و اقتصاديا.
    فالملاحظة في هذه الأبيات الشعرية عن توزيع الموت توزيعا عشواء يا هو قاب قوسين أو أدنى لابتكار الحضارة العربية الإسلامية علم إحصاء الوفيات حسب توزيعها العشوائي خلال العمر’ بل أن حساب الاحتمالات في البقاء على قيد الحياة’ لولا عارض الموت المبكر’ يصلح لوضع جداول الوفيات التي تفيد في معرفة الوضع الحقيقي للوفيات في بلد معين و كذا كيفية تطور تخطيط الوفيات خلال حقبة من الزمن.

    أ) علاقة السكان بالصحة:

    1. في تعريف المنظمة العالمية للصحة’ الصحة " هي حالة من المعافاة التامة في البدن و العقل و المجتمع " ( هذه الترجمة أعتبرها الأقرب لفهمنا العربي ). إذن حسب هذا التعريف الشخص الذي يتمتع بصحة جيدة هو الشخص السليم بدنيا و عقليا و يزاول بالتالي نشاطه الاجتماعي بشكل طبيعي. يمكن القول أيضا بأن الصحة هي القدرة على مزاولة النشاط الاجتماعي بشكل طبيعي و التي تتيحها المعافاة في البدن و العقل. في القديم كان العرب يربطون بين المعافاة في البدن و القدرة على كسب العيش بحيث أن السلامة الجسمية تكون شرطا ضروريا لكسب قوت اليوم. يقول النبي صلى الله عليه و سلم: من أصبح معافى في بدنه و عنده قوت يومه فكأنما سيقت إليه الدنيا بحذافيرها.
    2. علاقة السكان بالصحة علاقة واضحة لأن الصحة السليمة تطيل في العمر على عكس المرض الذي يحد منه’ و في كلا الحالتين يؤثر الوضع الصحي في بلد ما على الوفيات في هذا البلد و بالتالي يؤثر على التزايد السكاني فيه. و من المعلوم أن انخفاض الوفيات هو في بعض البلدان أحد العوامل المهمة في التكاثر السكاني خصوصا عندما تبقى معدلات الخصوبة مرتفعة’ كما أن انخفاضها في بعض البلدان حيث الصحة متقدمة و أمد العمر أطول لا يجعلها ترغب في خصوبة مرتفعة.
    كذلك علاقة الصحة بالتقدم الاجتماعي – الاقتصادي واضحة. فالمجتمع حيث تكثر الأمراض يجد نفسه أمام عبئ ثقيل في تحمل نفقات الصحة العمومية’ كما أن التغيب عن العمل في المؤسسات العمومية و مؤسسات الإنتاج تضعف من قدرة المجتمع على الإنتاج و على المردودية. و الصحة في نظر البعض هي هدف للتنمية و أقول بأنها وسيلة و هدف في آن واحد للتقدم الاجتماعي – الاقتصادي.

    ب) مقاربة الوضع الصحي:

    1. الوضع الصحي للسكان هو من العوامل الجديرة بالاهتمام إلا أن دراسته تفترض أولا وجود معطيات كافية و شمولية حول الأمراض التي تصيب المجتمع و ثانيا استعمال تقنيات كفيلة بتقييمه تقييما صحيحا و ثالثا لدراسة الوضع الصحي للسكان لا يمكن الاقتصار فقط على المعطيات المتوفرة في المراكز الاستشفائية و معطيات الفحوص الطبية لأن هذه المعطيات ليست شمولية و لا تمثل مجموع السكان’ ثم أن التصريح بالمرض لا يعني بالضرورة تصريح الجميع بهذا المرض؛ و لذلك يتم اللجوء إلى البحوث بالعينة.
    2. تعتبر الإحصائيات المتوفرة حول الوفيات و حول أسباب الوفيات المؤشرات الرئيسية في علم السكان لدراسة الحالة المرضية للسكان لكن الحاجة إلى إحصائيات حول مختلف الأمراض التي تصيب السكان ضرورية لتقييم الوضع الصحي. تعتبر المرحلة ما بين تصور الجنين في الرحم و أواخر الشهر الأول للمولود الجديد من الأهمية بمكان حيث أن كلاهما يمر بمرحلة دقيقة محفوفة بالعديد من المخاطر على بقائهما قيد الحياة و ترتبط هذه المخاطر إما بالتشوهات الوراثية و إما بالحوادث الممكنة خلال فترة الحمل أو عند الولادة. أما بعد الشهر الأول من حياة المولود الجديد تكون أسباب الوفاة أسبابا غير بيولوجية بالدرجة الأولى حيث يتعرض الطفل للإصابات المعدية جراء النقص في العلاج أو للتسمم الغذائي أو للأمراض المرتبطة بالظروف الصحية العامة في الوسط الذي يعيش فيه.
    3. ترتكز المقاربة العلمية للوضع الصحي للسكان على تصنيف العوامل المساهمة في تحسن هذا الوضع و بالتالي في تقلص الوفيات بالتمييز بين مجموعتين من العوامل الأساسية: أولا العوامل المرتبطة أساسا بالتقدم الاقتصادي و الاجتماعي’ ثانيا العوامل المرتبطة بالتقدم الحاصل في الطب و في الصحة العمومية و في النظافة العمومية.
    توجد تصنيفات أخرى معتمدة غير أن القاسم المشترك بين جميع هذه العوامل يحتكم إلى عامل رئيس ألا و هو التقدم الاقتصادي الذي كان له الفضل’ حسب التجربة التاريخية’ في الاكتشافات و الاختراعات في ميدان الطب و التقنيات المرتبطة به و في تقدم الصحة العمومية و في تحسن النظافة العمومية و كلها عوامل كان لها الدور الحاسم في تراجع الوفيات. تلعب التقاليد الثقافية في النظافة دورا مهما في تحسن الوضع الصحي للسكان و في تقلص الوفيات بفضل تعلم المبادئ الأساسية في الطهارة و تربية النساء على تنظيف أولادهن الرضع. لا شك أن تقاليد المجتمعات الإسلامية في الطهارة تلعب دورا كبيرا في الحد من الوفيات خاصة عندما تسمح الظروف المحيطة بالحصول على سكن لائق و ماء صالح للشرب و نظام غذائي لائق.
    - العامل الاقتصادي الأول الذي ساهم تاريخيا في تحسن الوضع الصحي للسكان هو التقدم الحاصل في عرض المنتجات الغذائية و في تطوير التغذية الصحية. من هنا تبرز أهمية تطوير التقنيات الفلاحية لأن التقدم التقني في الفلاحة يسمح لفائض اليد العاملة بالفلاحة و التي تزاول أشغالا موسمية و ناقصة بالتفرغ كليا إلى إنتاج العديد من الخيرات و الخدمات من أجل حياة أفضل و عمر أطول لمجموع السكان.
    - العامل الثاني يتعلق بتطوير وسائل النقل و شبكة المواصلات بحيث تصبح المبادلات بداخل البلد و خارجه سهلة المنال و هو ما يكثف من تجارة المنتجات الفلاحية وطنيا و دوليا.
    - العامل الثالث يتعلق أساسا بمحاربة الفقر و البؤس الاجتماعيين و ذلك عن طريق الرفع التدريجي للأجور و بالتالي الرفع من القدرة الشرائية و هو ما يسمح للسكان بتحسين مستوى تغذيتهم.
    - العامل الرابع و الأخير يتعلق بالتقدم التقني و بتحسين مستوى عيش السكان بحيث يمكن الحصول على سكن لائق و ملبس ملائم و على خدمات صحية متعددة تقوم على تقدم البحث الطبي.

    ت) على من تقع المسؤولية؟

    1. من واجب المجتمع السهر على صحة سكانه. في خضم السجال الحالي في المغرب حول المتاجرة أم لا بالأدوية و حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الخواص في تحسين الوضع الصحي للسكان لا بد أولا بالتذكير بأن الاعتبار السائد في عالمنا المعاصر يحمل الحكومات مسؤولية اتخاذ التدابير الضرورية لتقليص آثار الأمراض و الحد من الوفيات. علاوة على ذلك بناءا على الترابط المتزايد بين البلدان و حاجة بعضها البعض للحصول على الموارد و بالنظر إلى التنقل الدولي للأشخاص و للسلع الغذائية أصبحت الحكومات تتعاون فيما بينها  في إطار المنظمة العالمية للصحة و تبذل الجهود الحثيثة لمحاربة الأمراض المتنقلة و لتقليص الوفيات.
    2. يتوقف تحسن الوضع الصحي للسكان على السياسات الحكومية و التدابير المتخذة بشكل مباشر و غير مباشر لتحسين هذا الوضع و تحديدا على البرامج الحكومية في السياسة الصحية.
    3. لا شك أن المشاكل الصحية التي تحاول الحكومة حلها هي مشاكل عويصة لكن هذا لا يعفي الحكومة من اختيار القطاعات ذات الأولوية التي ينبغي أن تعمل عليها دون إغفال الإكراه الذي تواجهه في هذا المجال و بخاصة عندما تكون الموارد المخصصة لذلك محدودة.
    من الأولويات في نظري من و جهة التحليل الديمغرافي لواقع الوفيات و لا سيما تلك المرتبطة بصحة الأم و الطفل و التي لا زالت مرتفعة في البوادي و المناطق النائية و بالنظر أيضا إلى الريبورتاجات الإعلامية العديدة حول غياب المرافق الصحية بهذه المناطق على الحكومة أن تنكب جديا على إعطاء الأولوية لخلق مصالح صحية بهذه المناطق و السهر على تحسين التوازن بين المناطق الحضرية و المناطق القروية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:43 pm