منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    المقاربة السكانية لليد العاملة...‘ الوضعية سنة 1970

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    المقاربة السكانية لليد العاملة...‘ الوضعية سنة 1970

    مُساهمة  عمرو قضاض في الثلاثاء أبريل 23, 2013 4:48 am

    2. – الوضعية سنة 1970
    ا) تطور التوزيع الاقتصادي للساكنة النشيطة حسب القطاع الاقتصادي
    ب) منحنيات معدلات الشغل
    ت) ) العوامل السكانية و العوامل الاقتصادية

    2.- الوضعية سنة 1970

    في سنة 1970 كانت ساكنة الدول النامية تقدر أزيد من مليار نسمة‘ منها ما يقرب من 500 ألف مشتغل‘ وبمليارين ونصف نسمة في باقي أنحاء المعمور‘ منها ما يقارب المليار في الشغل‘ حسب أرقام المكتب الدولي للشغل (21). ويلاحظ خبراء المكتب الدولي للشغل بأن نظام الإنتاج في هذه المجموعتين يختلف "اختلافا عميقا" بحيث تشغل الفلاحة 1/5 في الدول الغنية و2/3 في الدول الأخرى (22). هذه المعطيات كافية للتمييز بين ما سماه الباحثون آنذاك بالمجتمعات الصناعية والمجتمعات الزراعية.
    يشير إحصاء 1971 إلى أن عدد سكان المغرب وصل إلى 15 مليون و379 ألف و259 نسمة وعدد الساكنة النشيطة إلى 3 ملايين و984 ألف و379 شخص‘ منها 51,5 في المائة يشتغلون بالفلاحة‘ 70 % منهم يتواجدون بالعالم القروي.

    ازدادت سنة 1970 الفوارق اتساعا في النسب المئوية للسكان النشيطين فيما بين المجتمعات الصناعية والمجتمعات الزراعية عما كانت عليه من قبل و بالتحديد منذ 1960 حيث يقدر هذا الفارق ب 10 وحدات مئوية سنة 1970 عوض 3, 3 وحدة مئوية سنة 1960‘ كما أن الدول السائرة في طريق النمو فقدت خلال هذه العشرية 1,7 وحدة مئوية من شغلها‘ وهو نفس الفارق تقريبا الذي فقده المغرب (2 في % ).[/b]

    (13) Philippe Bourcier De Carbon, E. Denti et J.N. Ypsilantis, La main d’œuvre dans
    (14) le monde depuis 1950 jusqu’en l’an 2000: I. Les travaux du BIT et les résultats globaux, population ; n°1, 1980.
    (15) Ibid, .

    هذا يعني ببساطة أن سوق الشغل كان أقوى في البلدان الصناعية وأن طلب اليد العاملة ازداد ارتفاعا فيها‘ بما فسح المجال إلى استيراد العمالة الأجنبية من طرف دول أوروبا الغربية القادمة من المغرب وشمال أفريقيا وأفريقيا ما تحت الساحل ودول أخرى‘ علما كما سلف الذكر بأن الخصوبة بدأت في التراجع في الدول الصناعية سنة 1960 بعدما عرفت "انفجارا في الولادات" مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية.

    ما بين 1960 و1971 هاجر 400 ألف شخص مغربي إلى الخارج و 500 ألف شخص أجنبي كذلك‘ ومع ذلك لم تؤثر هذه الهجرة على إنعاش سوق الشغل بالمغرب‘ بل على العكس سجل فيه إحصاء سنة 1971‘ عدد 350 ألف عاطل‘ حسب الأرقام الرسمية.

    كان على المغرب ملأ الفراغ الذي تركه الأجانب في الإدارة العمومية و بعض الشركات والمتاجر‘ و إطلاق ورش التعليم العمومي لتكوين النخب التي كانت الدولة في حاجة إليها لاستكمال تحديث هياكلها‘ لكن الاختناق الحاصل في مرور الشغيلة من القطاع ألفلاحي إلى القطاع الصناعي العصري بقي مطروحا و متأثرا بالشرخ الاقتصادي الذي أحدثه الاستعمار‘ وهو الاختناق الذي عملت الدول المانحة على الحد منه في بلدان العالم الثالث‘ تفاديا لقيام الثورة الاشتراكية (23) .

    ازداد في الستينيات من القرن الماضي نمو الناتج الداخلي الخام في البلدان الاشتراكية ارتفاعا بوتيرة سنوية تقدر ب 7 % سنة 1968 مقابل 5,6 % في بلدان اقتصاد السوق؛ و يلاحظ أن التنمية الاقتصادية كانت أسرع في البلدان الاشتراكية (24) .

    عرفت البلدان السائرة في طريق النمو والتي تتبع اقتصاد السوق بعد الحرب العالمية الثانية تنمية اقتصادية لم يسبق لها مثيل‘ إلا أن القيمة المطلقة للدخل الفردي كانت جد متواضعة ( 100 دولار أو ما يزيد قليلا ) و بعيدة كل البعد عن التقدم الذي حققته البلدان النامية بحيث كان الدخل الفردي في البلدان النامية ذات اقتصاد السوق 12 ضعفا وفي البلدان الاشتراكية النامية عشرة أضعاف (25) ؛ هذه الوضعية أدت إلى انتشار تخلف نسبي في الدول السائرة في طريق النمو.

    ينعكس الاختلال الاقتصادي للدول السائرة في طريق النمو والناجم عن علاقة هذه الدول الاقتصادية الطويلة بالبلدان الاستعمارية على الاختلال في الشغل‘ حسب ما لاحظه الخبراء ( 26) خلال الفترة المذكورة‘ ويبدو هذا واضحا في انتشار قطاع ثالث‘ واستحالة امتصاص القطاع الثاني لفائض اليد العاملة الزراعية.


    (23) Jean Piel, Critique, juin 1954. حسب هذا الاقتصادي الفرنسي‘ التضخم النقدي هو عامل مساعد للحرب و"أن اختناق القوى المنتجة على مستوى المرور من القطاع الأول إلى القطاع الثاني هو الذي يجعل الثورة ممكنة". حسب بعض المفكرين الغربيين يكمن الأمل في معارضة تقدم الشيوعية في البلدان الزراعية المتخلفة في العمل على " تطوير اقتصاد يكون أكثر حداثة في هذه البلدان‘ أي بمعنى اقتصاد يقوم على تعدد الخدمات و التنوع في الاستهلاك‘ كما هو الأمر في الاقتصاديات الغربية المتطورة...".
    (24) Nations Unies, Etude sur l’économie mondiale ; 1969-1970….


    وحتى في حالة استيراد التكنولوجيا وتوظيفها في الصناعة الاستخراجية كأوراش مواد البناء‘ فإن قطاع البناء اتجه أساسا إلى تلبية حاجيات السوق الداخلية ولم يسمح بتصدير منتجاته لجلب العملة الصعبة الضرورية لدعم مجهود التصنيع‘ كما أنه لم يغير كثيرا التركيبة القطاعية لليد العاملة. بالإضافة إلى ذلك لا يعتبر تحويل التكنولوجيا وحده و شراء المعامل بمفاتيحها جاهزة تصنيعا‘ ولا يعتبر توزيع السكن على القرويين وجمعهم في قرى نموذجية‘ اشتراكية.

    يحتاج التصنيع إلى المواد الأولية حيث الطلب عن هذه المواد يرتبط بدرجة النشاط الصناعي وبالظرفية الاقتصادية‘ فمعظم الدول الصناعية كانت في حاجة إلى المواد الأولية التي يتواجد جلها بالدول السائرة في طريق النمو.

    بعد حصول هذه الأخيرة على الاستقلال ظهرت على الساحة الدولية علاقة جديدة تقوم على "الاستقلال في الارتباط المتبادل" بحيث لجأت الدول الصناعية إلى التجارة العالمية لتغطية الطلب المتزايد الذي يفرضه نموها الصناعي والحفاظ على تقدمها الاقتصادي ‘ وفي مقابل ذلك يمكن للدول السائرة في طريق النمو الحصول على عملات صعبة لتغطية مصاريف وارداتها وشراء ما يلزمها من مواد أخرى. وكمثال عن أهمية المواد الأولية في الاقتصاد العالمي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي كان أكبر الإنتاج العالمي للكوبالت ( 75 %) بالمغرب وجمهورية الكونكو الديمقراطية وزامبيا‘ ونصف الإنتاج العالمي للبوكسيت بجمايكا وغويانا و السير ينام (25) .

    و تفيد تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة 1870 – 1957 أنها استطاعت تنمية مواردها الطبيعية في الوقت الذي تضاعفت فيه ساكنتها أربع مرات بحيث تضاعف استخراج الفحم الغني بالنفط 18 مرة‘ واستخراج الحديد 26 مرة‘ واستخراج النحاس 77 مرة‘ واستخراج النفط الخام 490 مرة.


    فالتصنيع يتطلب القطيعة مع الهيمنة التقليدية للفلاحة و للقطاع القروي وخلق الظروف المواتية لتحويل الساكنة القروية والزراعية نحو الأشغال الصناعية والحضرية‘ وهو يقوم على إعادة تنظيم الإنتاج و إعادة النظر في علاقة المدينة بالقرية و على التقدم العلمي والتقني
    (26).

    (25) Laurence Dudley Stamp, Our Developing World, 1960, p 179
    (26) Jean Fourastié, Le grand espoir du xx e siècle, 1949, chp 2 ; La civilisation de 1960, P.U.F., 1947


    ا) تطور التوزيع الاقتصادي للساكنة النشيطة حسب القطاع الاقتصادي.
    صاحبت النمو الاقتصادي الحديث‘ بعد الحرب العالمية الثانية‘ تغيرات مهمة في التركيبة الاقتصادية القطاعية للساكنة النشيطة وللناتج الوطني. كان المغرب في بداية القرن العشرين يعتمد على الفلاحة أساسا التي كانت تشغل السواد الأعظم من اليد العاملة لإنتاج مواد التغذية الضرورية لمعيشتها ولتلبية حاجيات عدد قليل من ساكنة المدن التي تزاول أشغالا غير فلاحيه‘ حتى جاء الاستعمار وصادر أراضي الفلاحين وحولها إلى وحدات إنتاجية تخضع للمنطق الرأسمالي ودفع بأهل القرية إلى الهجرة نحو المدن والتكدس في مدن الصفيح وتشغيلهم بالمعامل؛ وإلى حدود سنة 1971 كان هذا القطاع يشغل 70 % في العالم القروي‘ ولم يتراجع سوى بنسبة 5 % لصالح الساكنة الحضرية.


    وبما أن هناك علاقة ترابطية قوية بين التطور الاقتصادي من جهة وتطور توزيع الساكنة النشيطة حسب القطاعات الاقتصادية فإن التركيبة الاقتصادية القطاعية لليد العاملة لابد أن تعكس درجة النمو الاقتصادي‘ كما أنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن التغير العميق في التركيبة القطاعية لليد العاملة لا يظهر جليا إلا في أفق تاريخي واسع لعملية التنمية الاقتصادية.

    إن التطور الذي حصل سنة 1971 في التوزيع الاقتصادي لليد العاملة حسب القطاعات يعبر فقط عن التراجع النسبي لحصة الفلاحة الناجم أساسا عن تطور قطاع الخدمات الذي كان يمثل 19,6 % سنة 1960 و22,4 % سنة 1971. يعزى هذا التطور في قطاع الخدمات إلى كون المغرب آنذاك مصدرا للمواد الأولية وموزعا تجاريا للمواد المصنعة المستوردة.

    ب) منحنيات معدلات النشاط
    خلال الفترة 1960 – 1971 تراجعت معدلات الشغل عند الذكور من 50 %إلى 45 % وهو تراجع في الامتياز الاقتصادي الذي يترجمه التطور الإيجابي للذكور في الشغل؛ هذا الامتياز يعزى إلى كون الحياة العملية في الشغل عند الرجل تفوق إجمالا‘ من حيث عدد ساعات الشغل السنوية‘ الحياة العملية عند المرأة نظرا لعامل الإنجاب. و يلاحظ أن بنية العمر للشغيلة الذكرية في دول أوروبا الغربية الصناعية لم تتراجع في تلك الفترة‘ بل على العكس من ذلك‘ وهو ما أضافها امتيازا اقتصاديا.
    إن تراجع معدلات الذكور في الشغل في المغرب كان نتيجة للتطور البطيء في الاقتصاد خلال الفترة المذكورة مقارنة مع النمو السكاني الذي كان ب 2,6 % ‘علما بأن 400 ألف شخص كانت قد هاجرت للشغل بالخارج وعلما بالخصاصة الكبيرة في الشغل التي تركها الأجانب الذين غادروا البلد.

    اعتمد إحصاء 1971 في تحديده للمفاهيم وتصنيفه للساكنة النشيطة على المعايير الدولية للمكتب الدولي للشغل.

    لا تمثل فئة الصغار 0-14 سنة سوى 3,6 % في معدلات النشاط العامة للسكان وهو ما يشير إلى انخفاض الشغل في هذه الفئة وهذا معطى هام بالنظر إلى تطور اليد العاملة‘ نفس الملاحظة سارية على الفئة العمرية 65 سنة فما فوق التي تمثل 19,3% ‘ وهذا توجه للساكنة النشيطة الذكرية خاصة‘ عرفته جميع الدول في العالم بعد الحرب العالمية الثانية‘ صناعية كانت أو شبه صناعية أو زراعية.

    نفس الملاحظة يمكن إبداءها بخصوص فئة الفتيات الصغيرات التي تمثل 2,4% ‘ مقارنة مع باقي معدلات الشغل النسائية؛ من المعلوم أن الأفكار الوطنية التي تكونت عند المغاربة للمطالبة بالاستقلال ومشاركة المرأة في معركة الاستقلال رسخ عند المسئولين القناعة بإنصاف المرأة وعدم حرمانها من التعليم‘ بحيث فتحت المدارس أبوابها‘ في المدن‘ أمام الفتيات. ومع ذلك لم تزل 817 ألف و344 فتات يقل عمرهم عن 14 سنة في سنة 1971 يشتغلن‘ من بينها 100 ألف و200 تقل أعمارهن عن 24 سنة يشتغلن كخادمات في البيوت وما تبقى يشتعلن ب تربية المواشي والزراعة والصناعة التقليدية 15,4 % منهن يقل عمرهم عن 15 سنة و44 % يقل عمرهن عن 25 سنة.
    الملاحظة الثانية هي أن معدل الشغل الإجمالي للإناث ارتفع ب 2 في المائة مقارنة مع معدل إحصاء 1960 بحيث انتقل من 6 إلى 8 في المائة‘ ويأتي هذا الارتفاع في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات الشغل الذكرية كما سلف الذكر. هذا التوجه الجديد لمعدلات الشغل عند الجنسين لوحظ في العديد من الدول بعد الحرب العالمية الثانية و يعزى في الدول الصناعية لكون المرأة هي التي كانت تشكل غالبية الساكنة النشيطة؛ وهو ما كان الأمر عليه في كل من بلجيكا والسويد والنمسا وكندا واستراليا‘ كذلك شكل النساء ثلثي اليد العاملة في انجلترا سنة 1950 وثلاث أخماس في تطور اليد العاملة بالولايات المتحدة الأمريكية. و لوحظ أيضا أنه حتى في الدول التي انخفضت فيها معدلات النشاط للنساء مثل فرنسا وإيطاليا وهولندا وايرلندا ونيوزلندا‘ فإنها كانت أقل انخفاضا فيها من معدلات الشغل الذكرية؛ أما في ألمانيا الاتحادية واليابان ارتفعت معدلات الشغل عند الجنسين على حد سواء؛ بينما في مجموع دول العالم الثالث كان التوجه العام يميل نحو ارتفاع معدلات الشغل عند الإناث و هو توجه بدأ في الستينيات من القرن الماضي حسب تقديرات المكتب الدولي للشغل 1950 – 1960.

    في إحصاء 1971 بالمغرب‘ كانت معدلات النشاط 40 % عند العازبات و33 % عند المتزوجات بمعدل عام يساوي 8 % ‘ وهو ما يعبر عن تقدم العازبات على المتزوجات في الشغل. و يلاحظ في عدد من الدول الصناعية مثل النرويج أن نسبة الأبكار المشتغلات كانت 70 % وفي ايرلندا 80 % سنة 1960 حيث كان المعدل العام لنشاط المرأة لا يتجاوز 5 % إلى حدود سنة 1956‘ وفي الولايات المتحدة الأمريكية 24 % فقط مقابل 60 % للمتزوجات ضمن معدل عام يساوي 31,4 % للنساء النشيطات سنة 1960.
    السبب في تقدم العازبات في الشغل على المتزوجات هو بقدر ما يكثر الأبناء عند الأم بقدر ما تشتغل أقل‘ وتفيد تجارب البلدان أن انخفاض الولادة من شأنه أن يشجع على تطور النشاط الاقتصادي لدى المرأة المتزوجة.


    ت) العوامل السكانية والعوامل الاقتصادية
    تتأثر التركيبة العمرية للساكنة بثلاث متغيرات وهي الخصوبة‘ الوفيات والهجرة وهي المتغيرات نفسها التي تحدد عدد الساكنة النشيطة لكل بلد بالإضافة إلى تركيبة الساكنة حسب الجنس القادرة على الشغل.

    إن الملاحظة التاريخية لتغير الخصوبة والوفيات والشروح العلمية التي تقدمها علوم الاجتماع والاقتصاد للسلوك البشري بشأنها ودراسة العوامل الثقافية المؤثرة فيها تفضي إلا أن المعدلات الخامة للولادات وللوفيات كانت مرتفعة في البلدان الزراعية الماقبل صناعية بحيث أن معدل النمو الطبيعي للسكان كان مستقرا و لم يكن يتجاوز بالمغرب إلى حدود سنة 1956‘ 1,5 % ‘ بل أنه كان في سنة 1912‘ 0,6 % ؛ ولذلك أطلق علماء السكان على هذه البلدان أسم " الساكنة المستقرة" حيث معدلات الوفيات والخصوبة تكون مستقرة وينجم عنها بنية سكانية ثابتة‘ و يمكن تسمية هذه المعدلات بالثوابت السكانية القديمة. وهناك من علماء السكان من لاحظ وجود قانون طبيعي للتوازن السكاني وذهب إلى اعتبار أن الحروب بين بني البشر قانون طبيعي يؤدي إلى إعادة التوازن السكاني‘ كما أن علماء الاجتماع درسوا السلوك السكاني من خصوبة ووفيات وهجرة في إطار ما يسمى بالنماذج الإجتاعية- الثقافية التي تعتبر الساكنة وتغيراتها جزء منها بحيث أن الوفيات المرتفعة يقابلها الولادات المرتفعة‘ حفظا للنسل ولاستمرارية الوجود البشري وطبقا لمعتقدات الناس وثقافتهم بهذا الخصوص.
    مع التقدم الحديث العلمي والتقني الذي ظهر أولا في أوروبا الغربية عرفت ساكنة بلدانها اختلالات لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية و بخاصة بعد قيام الثورة الصناعية في انجلترا عام 1850 بحيث انخفضت معدلات الوفيات وارتفعت معها معدلات الخصوبة‘ كما أن مسلسل التصنيع غير في العمق الاقتصاد وعلاقة القرية بالمدينة وأفرز فائضا سكانيا وجد في الهجرة إلى أمريكا ومناطق أخرى في العالم حلا لمشكلته العويصة؛ ومع التغير العميق في طبيعة الشغل وفي البنيات الاجتماعية والاقتصادية و في تحسن مستوى المعيشة للسكان أخذت الاختلالات السكانية تنمحي بحيث ظهرت معدلات جديدة للخصوبة وللوفيات وللنمو الطبيعي للسكان في حدود 0 إلى 1 في المائة‘ وهو التوازن الجديد الذي اصطلح على تسميته ب " الساكنة القارة" حيث معدلات الوفيات ومعدلات الخصوبة منخفضة وتبقي على وضع قار للسكان.

    انخفضت الوفيات حديثا في الدول السائرة في طريق النمو‘ بفعل امتداد آثار التقدم في الطب على الخصوص فيما يتعلق بالتلقيح ضد الأوبئة الفتاكة‘ ولم يبدأ هذا الانخفاض فعليا في المغرب إلا بعد سنة 1960 ‘لكن القاعدة الصناعية لم تكن في مستوى امتصاص اليد العاملة المتواجدة ‘ وهو ما أدى إلى تكاثر السكان وضعف الإنتاجية‘ وحصر اليد العاملة النسائية في معدلات عامة للشغل ضعيفة وبطيئة التطور.

    ارتفع الإنتاج الإجمالي في البلدان السائرة في طريق النمو والبلدان النامية ما بين 1950 و1967 بوتيرة سنوية متقاربة تقدر بحوالي 4,5 %‘ وبما أن النمو السكاني كان بمعدل 2,2% في المجموعة الأولى و1,2% في المجموعة الثانية تراجع الدخل الفردي في المجموعة الأولى من 3,2% إلى 2,4% (27) .

    و إذا كان السبب في تخلف البلدان السائرة في طريق النمو آنذاك هو العوامل السكانية ‘ كما يعتقد الكثير‘ فإنه من الوهم بناء الإستراتيجية التنموية الطويلة الأمد على انتظار انخفاض معدلات الخصوبة في أجل مسمى‘ بل على العكس من ذلك فإن الدول التي قامت ببرامج ومخططات اقتصادية واتخذت تدابير فعلية استطاعت على الأقل مواجهة الآثار السلبية للنمو السكاني السريع ومخاطره على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

    بادر المغرب إلى سن سياسة بناء السدود‘ كإستراتيجية وطنية من أجل تحقيق الأمن ألغدائي والرفع من الإنتاج الصناعي‘ كما أممت معامل السكر في إطار برامج تروم تحقيق الاكتفاء الذاتي.

    تتطلب فلاحة السقي بالري كميات هائلة من الماء‘ بحيث يحتاج إنتاج طن واحد من السكر أو طن واحد من الدرة إلى ألف طن من الماء ‘ و يحتاج طنا واحدا من القمح إلى ألف و500 طن من الماء‘ ويحتاج طنا واحدا من الأرز إلى أربعة آلاف طن من الماء‘ ويحتاج طنا واحدا من القطن إلى عشرة آلاف طن من الماء. كذلك الشأن في الصناعة حيث يحتاج صنع طن واحد من الأجور إلى ما بين طن وطنين من الماء‘ ويحتاج صنع طن واحد من الورق إلى 250 طن من الماء‘ ويحتاج صنع طن واحد من الأسمدة الأزوطية إلى 600 طن من الماء؛ أما فيما يتعلق بإنتاج الطاقة الكهربائية و المواد الكيماوية‘ فإن الحاجيات إلى الماء غير محدودة (28) .

    إن السمة الرئيسية لسكان المغرب سنة 1971 هي تصدر الفئة العمرية 0 – 19 سنة للبنية العمرية بمعدل 55,8 % ‘ وهو عامل سكاني يدفع الشباب إلى البحث عن الشغل في سن مبكر ويدفع أيضا بالرجال والنساء إلى الشغل طوال حياتهم من أجل سد لقمة العيش للأطفال الذين يعيلونهم‘ ولذلك أثار خبراء المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي الانتباه لاعتبار جزء هام من هذه الفئة العمرية ناشطين وعدم اعتبارهم عيال 100 بالمائة (29) .


    (27) Nations Unies, Causes et conséquences……., p 548 à 552.
    (28) Roger Revelle, « Water », 1963, p. 93. M.R. Huberty, « Fresh water ressources », 1959, p.49 .
    (29) Chaouki Benazzou, Tajeddine Baddou et J.B. Pichat ; World Population Year, 1974, La Population du Maroc, INSEA.- C.I.C.R.E.D.


    ازدادت الهجرة القروية استفحالا خلال الفترة 1960 – 1971 بمعدل 2,2 % وهو معدل ضخم له تأثير سلبي على معدل النشاط العام للسكان بحيث أن بعض اليد العاملة القروية‘ وليس جلها‘ التي هاجرت إلى المدن كانت لها حظوظ ضئيلة للشغل بهذه الأخيرة‘ ناهيك عن عدم قدرة المدن عن امتصاص المزيد من الفائض السكاني.

    ما بين 1954 و1964 هاجر الآلاف من المغاربة إلى فرنسا ودول أوروبية أخرى لتغطية الطلب على اليد العاملة الصناعية‘ وعملت هذه الهجرة أيضا على التخفيف من فائض اليد العاملة المغربية المحلية.

    لعبت الهجرة الدولية إلى البلدان الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية دورا هاما في الحفاظ على احتياطي اليد العاملة و أيضا في تعويض الانخفاض الذي كان قد بدأ في معدلات الشغل لليد العاملة الذكرية‘ وبرأي خبراء الأمم المتحدة حال وصول المهاجرين إلى فرنسا القادمون من بلدان شمال أفريقيا‘ و إلى ألمانيا الاتحادية القادمون من تركيا أساسا؛ دون انخفاض حتمي كان سيقع في الساكنة النشيطة لهذين البلدين (30) ؛ وتجدر الإشارة إلى أن من بين البلدان الأخرى المصدرة لليد العاملة في تلك الفترة إيطاليا وإسبانيا واليونان ويوغوسلافيا؛ آما في سويسرا شكل عدد المهاجرين إليها ربع الساكنة النشيطة (31) .[/b]


    (30) Bloch Gilbert et Praderie Michel, La population active… , 1966.
    (31) Vera Lutz, Italy… , 1962, p. 144 à 152

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:39 pm