منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    الخصوبة’ الأسرة و التغير الاجتماعي

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    الخصوبة’ الأسرة و التغير الاجتماعي

    مُساهمة  عمرو قضاض في السبت مايو 31, 2014 8:36 am


    ٍالخصوبة البشرية هي نتاج لمجموعة من العوامل الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية و كلها عوامل متداخلة فيما بينها بحيث يستحيل  تحديد تغيراتها بفعل عامل محدد دون الأخذ بعين الاعتبار تضافر مختلف العوامل مع تبيان أهمية كل عامل على حدة في التأثير عليها. و يقصد بالعوامل الاقتصادية – الاجتماعية في التحليل الديمغرافي: بنية الأسرة و وظائفها’ علاقة الوفيات بالخصوبة’ تحسن مستوى العيش و ارتفاع كلفة الطفل فيما يتعلق بالتربية’ مستوى التعليم’ الحركية الاجتماعية’ التعمير ( أو التمدين) و التصنيع.
    في هذا العرض سأحاول التركيز’ من منظور شامل’ على علاقة الخصوبة بالأسرة و التغير الحاصل في بنية المجتمع بفعل عاملي التعمير و التصنيع أساسا.

    1. تلعب الأسرة دورا اجتماعيا متميزا فيما يتعلق بإنجاب الأطفال و تربيتهم و لا زال هذا الدور قائما إلى يومنا هذا بالرغم من ظهور طرق جديدة في الإنجاب خارج إطار الأسرة المبنية على الزواج  و ظهور بنيات جديدة لتحمل تربية الأطفال. من جهة أخرى تتأثر الأسرة بالتحولات التي تطرأ على بنية المجتمع برمته خاصة فيما يتعلق بالوظائف الاقتصادية و الاجتماعية الجديدة للأسرة على إثر التحولات الكبرى التي تشهدها صيرورة التعمير و التصنيع.

    2. في المجتمعات القروية غالبا ما كانت الأسرة تشكل وحدة اقتصادية’ بل و خلية عسكرية و سياسية تتقوى باستمرار حتى تتصدر مراكز السلطة السياسية و القوة الاقتصادية و تفرض نظام قيمها’ بل و تصبح نموذجا يحتذ. يختلف الدور الاقتصادي للأسرة حسب طبيعة النظام الاقتصادي. في اقتصاد المعاش يشكل الأطفال بالنسبة للآباء موردا لليد العاملة الرخيصة و في المجتمعات المعاصرة’ حسب بيير بورديو’ يتم نقل الرأسمال و الإرث إلى الأبناء عن طريق الأسرة. في اقتصاد الكفاف الأسرة هي الوحدة الإنتاجية و يلاحظ حاليا في بعض المجتمعات أن المقاولات الأسرية تلعب دورا مهما في عملية تنظيم الإنتاج. الأصل إذن هو ما يسمى بالأسرة البيولوجية التي يعهد إليها وحدها الرعاية الكاملة لأبنائها خلال فترة طويلة من الزمن.

    3. كانت المدن القديمة تلعب أدوارا سياسية و عسكرية و إدارية و تجارية . مع ظهور التعمير الحديث و توسع العمران أخذت الأسرة تفقد وظيفتها كخلية اقتصادية بفعل التحول من القرية إلى المدينة’ لكن إستراتيجية السواد الأعظم من الأسر بقيت اقتصادية بحيث أن الأطفال في المراحل الأولى للهجرة القروية استخدموا – جلهم - من طرف الآباء كمورد اقتصادي. في هذه المرحلة بقيت الخصوبة مرتفعة’ بل أكثر ارتفاعا مما كانت عليه في القرية. لكن قوانين التعليم الإجباري و منع اشتغال الأحداث و حق المرأة – إن لم يكن إكراها اقتصاديا - في الشغل خارج البيت و اشتغال الآباء بعيدا عن المنزل’ كل ذلك ساهم في تقنين دور الآباء التقليدي في الإنجاب والتربية و بالتالي أدى إلى تراجع سلطتهم التقليدية.

    4. جاء التعمير الحديث في البلدان المتقدمة اقتصاديا مقترنا بظاهرة اقتصادية قصوى و هي ظاهرة التصنيع الذي شكل منفذا مهما للشغل لفائض اليد العاملة الفلاحية و للتقدم الاقتصادي و سمح بالتالي للأسر بوعي مصالحها في مجتمع يتغير و عدلت بشكل سريع من سلوكها الإنجابي.
    في فرنسا الإقطاعية كان معدل الولادة الخام يقدر ب 37 في الألف’ أما في السويد ’ خلال القرن الثامن عشر’ تراوح ما بين 32 و 35 في الألف’ و في الفترة نفسها كان معدل الولادة الخام في النرويج ما بين 29 و 33 في الألف. في الفترة 1750 - 1765 سجل هذا المعدل في فنلندا ما بين 44 و 45 في الألف. في بداية القرن التاسع عشر كان معدل الولادة الخام في الولايات المتحدة الأمريكية يصل إلى أعلى مستوى عرفته البشرية و في منتصف القرن التاسع عشر تراوح ما بين 42 و 43 في الألف’ ليصل سنة 1878 إلى ما دون 35 في الألف و في سنة 1933 بلغ مستواه الأدنى مسجلا بذلك 16,7 في الألف.
    في البلدان المغاربية تراوح معدل الولادة الخام في الستينات من القرن الماضي ما بين 44 و 50 في الألف ليصل إلى 25 في الألف في أواخر القرن الماضي حسب بعض الدراسات.

    6. التعمير وحده ليس عاملا مهما في التغير الاجتماعي و في تحول أدوار الأسرة و تطورها لأن التعمير من دون تصنيع و من دون تحولات هامة في البنية الاقتصادية و لاسيما التحول في التركيبة القطاعية لليد العاملة لا يجعل الأسر تغير من سلوكها الإنجابي’ اللهم تحت ظروف الإكراه الاقتصادي كالعزوف عن الزواج. تكمن الأسباب الرئيسية للتعمير في البلدان المغاربية في الهجرة القروية و في معدل التزايد السكاني.

    نتيجة لذلك ليست المدن الكبرى عندنا سوى تجمعات كبرى للقرى و بالتالي تبقى منظومة القيم المتعلقة بالأسرة القروية هي المهيمنة ثقافيا إلى يومنا هذا.  

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:39 pm