منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    العوامل الجغرافية و الاقتصادية و الاجتماعية للتوزيع السكاني

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    العوامل الجغرافية و الاقتصادية و الاجتماعية للتوزيع السكاني

    مُساهمة  عمرو قضاض في الأربعاء يوليو 09, 2014 7:03 pm


    في الجغرافية البشرية كثيرا ما يتم تحديد التوزيع السكاني انطلاقا من العوامل الفيزيائية و تحديدا المناخ و التضاريس و التربة مع ما يشمله كل واحد من هذه العوامل من عوامل فرعية؛ لكن الجغرافيين أنفسهم لا يرون في العلاقة بين العوامل الفيزيائية و التوزيع السكاني علاقة مباشرة و لكن علاقة تأثير من خلال نمط عيش السكان. بعبارة أخرى يتوقف التوزيع السكاني ليس فقط على العوامل الفيزيائية لأن ما يحدده أكثر في العصر الراهن هو التغيرات التي تحدث في العقليات و في المثل العليا و في القدرات التقنية لدى السكان. بقدر ما يتطور المجتمع من مجتمع زراعي بدائي إلى مجتمع حضري حديث بقدر ما يكون دور العوامل الفيزيائية في توزيعه غير مباشر.

    1. العوامل الجغرافية و تشمل:
    أ) المناخ: الطقس أو الحرارة الهوائية إما باردة أو ساخنة و ما إلى ذلك ’ ثم التساقطات المطرية
    ب) التضاريس ما عدا تلك التي لا تصلح لتمركز السكان أخذا بعين الاعتبار العوائق التالية: أولا محدودية الأراضي الصالحة للزراعة’ ثانيا أن الأراضي الصالحة للزراعة تتناقص خصوبتها مع مرور الزمن و ينبغي معالجتها بالأسمدة ذات الجودة العالية و غيرها من طرق التخصيب و هو ما يتطلب عناية فائقة لا تخلو من صعوبات و تحديات كثيرة’ ثالثا لا تصلح المرتفعات العليا للسكن حيث أنه من غير الممكن مزاولة الأنشطة البشرية’ رابعا تتطلب صناعة و صيانة الآلات الفلاحية وكذا وسائل النقل كلفة إنتاجية مرتفعة نسبيا’ خامسا يعاني سكان المناطق النائية من العزلة.
    ت) التربة و يتوقف الأمر هنا على جودة التربة و يعزى الاختلاف الملاحظ في أنواع التربة بالأساس إلى اختلاف المناخ و النبات و التضاريس.
    ث) الموارد المعدنية و موارد الطاقة و هي عوامل مرتبطة بالاقتصاد الصناعي و بالمكننة بحيث أن قدرة مورد ما على التأثير في التوزيع السكاني تحددها الشروط التالية: أولا أهمية المورد باعتباره مادة أولية أو مصدرا للطاقة و باعتباره أيضا موردا يمكن تعويضه بمورد أخر أم لا ’ ثانيا أن يؤخذ بعين الاعتبار إمكانية كلفة استخراجه و استعماله و مقارنتها مع كلفة استقدامه من جهة أخرى أو بلد آخر’ ثالثا كلفة النقل لهذا المورد المستخرج و شحنه إلى الأماكن حيث يتم تحويله إلى طاقة أو استعماله كمادة أولية للصناعة ( الفحم الحجري).
    ج) المسافة و هي عامل تأثير مهم في التوزيع السكاني بحيث أن المناطق التي تجلب السكان تتميز بموقعها تجاه المناطق الأخرى ( ساحلية’ سهول’ جبال’ قرب أو بعد من شبكة المواصلات..)

    2. العوامل الاقتصادية و الاجتماعية و تشمل:
    أ) طبيعة النشاط الاقتصادي: يختلف توزيع السكان الذين يعيشون على الزراعة عن توزيع السكان الذين يزاولون أنشطة تجارية أو صناعية أو تتعلق بالصيد البحري أو تتعلق بأنشطة استخراج المناجم. في هذا الإطار يلاحظ أولا أن أهم التمركزات السكانية في العالم خلال القرنين الماضيين حصلت في المدن التي تقع على خط شبكة الطرق البرية و البحرية و الجوية لتنقل البضائع و المبادلات التجارية ؛ ثانيا أن تطور التجارة و الصناعة التحويلية و الخدمات غير من التوزيع الجغرافي للسكان لصالح ظهور تمركزات سكانية كبرى تدعى "ميتروبولات" و هي مدن متخصصة في الصناعة التحويلية و التوزيع التجاري للبضائع. توجد مدن ميتروبولية في العالم العربي متخصصة في التوزيع التجاري للبضائع بحكم موقعها على الساحل و كونها تحوي أكبر الموانئ لكنها لا تتوفر على قاعدة عريضة للصناعة التحويلية و هي بذلك تجارية أكثر منها صناعية. و في غياب عنصر الصناعة التحويلية ( 10 إلى 14 في المائة في العالم العربي) لا يمكن الحديث عن التغير في العقليات بحيث أن العقلية السائدة تبقى عقلية بدوية اللهم التمييز القديم بين القرية و المدينة في إطار ثقافة تقليدية. و هنا ينبغي التمييز بين التمركز السكاني الذي يعبر عنه ارتفاع معدلات التعمير أو التمدين بفعل الهجرة القروية و التزايد السكاني و التمركز السكاني الذي يحدثه التصنيع. يتطلب هذا الأخير وجود أنشطة اقتصادية ( مصانع و معامل و وحدات إنتاجية ) تستقطب العمال و العاملات و عائلاتهم. تمركز السكان في هذه الأمكنة يزيد في ارتفاع الطلب عن المواد الاستهلاكية و هو الارتفاع الذي يجلب المقاولين المنتجين لهذه المواد ( و لا يكون الاعتماد على استيرادها ) في إطار اقتصاد وطني يتمتع فعلا بالتنوع و هو ما يجلب المزيد من الأيدي العاملة و عائلاتهم. وهكذا تكون صيرورة التمركز السكاني مرتبطة بصيرورة التصنيع بحيث أن التوسع في قاعدة الاستهلاك يكون مصاحبا للتوسع في قاعدة الإنتاج الصناعي و محافظا على التوازن بينهما. تنطبق هذه الصيرورة على تطور المجتمع الصناعي و على تطوره أيضا من حيث العقليات و الثقافة.
    ب) دور التقنية: و المقصود بالتقنية هنا هو تقنيات الإنتاج مع العلم بأن التقدم التقني هو سبب و نتيجة في آن واحد لتطور مختلف الوحدات الصناعية. و الأهم من ذلك هو أن التقدم التقني هو في حد ذاته عامل مستقل لأنه يسمح باستعمار أراضي لم يتم بعد استغلالها و لا استيطانها كما أنه يسمح بتجاوز المدن الكبرى القديمة التي تقوم على الإدارة و التجارة فقط و يشكل إدن حلا لمشكلات هذه المدن لاسيما تلك المتعلقة بالبطالة و الشغل الناقص.
    ت) السياسة الاجتماعية و المؤسسات: يعكس التوزيع السكاني الأهداف التي يرسمها المجتمع أمامه لتحقيقها و التدابير الاجتماعية التي يتخذها من أجل ذلك. و التدابير التي يمكن اتخاذها من أجل تطبيق سياسة اجتماعية للتوزيع السكاني هي مرتبطة بنوعية النظام الاجتماعي. و لذلك نجد أن اختلاف التوزيع السكاني ( و ما يحمله من مشاكل أيضا كالاكتظاظ السكاني و عدم قدرة المدن على استيعاب المزيد من الفائض السكاني و تفشي البطالة ..) يكون باختلاف النظم الاجتماعية.


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:40 pm