منتدى علمي متميز يهتم بكل ما له علاقة بالسكان والديمغرافيا


    خصوصية الظواهر السكانية

    شاطر

    عمرو قضاض

    عدد المساهمات : 97
    تاريخ التسجيل : 19/04/2013
    العمر : 61
    الموقع : a.kodade@yahoo.com

    خصوصية الظواهر السكانية

    مُساهمة  عمرو قضاض في الأربعاء أغسطس 07, 2013 5:00 pm


    خ. – خصوصية الظواهر السكانية
    92. عند حوالي أواخر القرن التاسع عشر‘ بدأ علم السكان (الديمغرافيا) يتكون كعلم مستقل قائم بذاته.  تجلى هذا الاتجاه في تطور البحث التجريبي على حساب البحث النظري و في المنحى الذي أخذه الفكر السكاني في ذلك العصر و الذي أدى إلى صياغة 'نظرية الساكنة المثلى' و إلى ظهور علم السكان النظري أو علم السكان الصرف. هذه المقاربات‘ على الرغم من طابعها النظري‘ لا ترتبط  مباشرة بالنظريات السكانية. تهدف بالأساس نظرية الساكنة المثلى إلى حل مشكل يتعلق بالسياسة السكانية‘ ألا وهو تحديد العدد الأمثل لساكنة معينة.   أما علم السكان النظري فهو يهتم بالعلاقات الكمية المتواجدة بين الأحداث السكانية بغض النظر عن علاقاتها بالظواهر الأخرى. ساهمت هذه المقاربات‘ على أقل تقدير‘ في إلقاء الضوء على العديد من القضايا التي تتعلق بالنظرية السكانية‘ وفي تطوير هذه الأخيرة.

    1. نظرية الساكنة المثلى
    تهتم هذه النظرية أساسا بالعلاقة الموجودة بين عدد السكان و الموارد الطبيعية. كانت عناصر هذه النظرية موجودة من قبل عند اقتصاديي المدرسة الكلاسيكية الذين حاولوا شرح كيفية تأثير عدد السكان و معدل نموهم على صيرورة تقسيم العمل و تخصصه‘ و معرفة عند أية نقطة يبدأ قانون المردودية التراجعية  في التحرك (226). يعتبر سايدغويك أول من أرسى قواعد نظرية الساكنة المثلى. لاحظ سايدغويك أنه عندما تتجاوز الكثافة السكانية عتبة معينة تبدأ مختلف العوامل التي ذكرناها سابقا في العمل على خفض الإنتاجية كلما ارتفع عدد العمال حسب وحدة المساحة‘ وأكد استحالة ارتفاع الإنتاجية إلى ما لانهاية و أن أقصاها مرتبط بدرجة تقدم التقنيات و تكديس الرأسمال و تطور مناهج الإنتاج. إذا اعتبرنا إذن سايدغويك مؤسسا لنظرية ديناميكية حول الساكنة المثلى فإن كنعان هو الذي قدم أول تعريف لمفهوم "الساكنة المثلى"؛ و هو يؤكد " أن عدد السكان المتواجد على مساحة معينة و في فترة معينة من أجل تحقيق أقصى إنتاج صناعي هو عدد محدود"‘ كما يعتبر استحالة إقامة البرهان الصارم على القول بأن بلدا ما هو زائدا أو ناقصا من حيث السكان (228).

    94. تختلف المقاييس في تعريف " الساكنة المثلى". المقصود بهذه المقولة هو إما عدد السكان الذي يسمح بالحصول على أقصى دخل ممكن (229)‘ أو العدد الذي يسمح بالحصول على الإنتاجية القصوى ( التي يمكن قياسها بطرق شتى) (230)‘ أو عدد السكان الذي يرفع إلى أقصى حد مؤشرات اقتصادية أخرى صعبة التعريف مثل الرفاهة المادية‘ مستوى المعيشة‘ الدخل الفعلي‘ أو حتى مستوى الشغل (231). اعتبر مؤلفون آخرون أن المقياس الاقتصادي في تعريف "الساكنة المثلى" هو مقياس ضيق (232) و وسعوا منه ليشمل عوامل أخرى مثل حالة الرفاهة العامة للساكنة‘ وضعيتها الصحية‘ أمل الحياة المتوسط‘ الحجم المثالي للأسرة‘ المحافظة على الموارد‘ قوة البلد و إمكانياته الدفاعية‘ وكذا عوامل أخرى روحية و ثقافية و جمالية (233)؛ غير أن جل الأعمال المتوفرة حول الساكنة المثلى لا تتكلم سوى عن المقياس الاقتصادي.

    95. قوبل مفهوم الساكنة المثلى بانتقادات قاسية من طرف العديد من المؤلفين الذين احتجوا على أهميتها التطبيقية و على الصحة النظرية لتصورها المبدئي (234). اعترف هؤلاء بالدلالة الملموسة لمفاهيم التناقص و التزايد السكاني‘ لكن غالبيتهم تشكك في إمكانية التعبير الفعلي عن هذه الساكنة تعبيرا رقميا؛ لذلك فضل بعض المؤلفين الحديث عن منطقة أو مجموعة أو منزلة رقمية تنعت بمثلى عوض الحديث عن  مفهوم غامض كما هو عند المعارضون لهذه النظرية (235).

    96. الأخطر من هذه الانتقادات هو مؤاخذة هذه النظرية بأنها بالأساس نظرية ساكنة بحيث لاحظ العديد من المؤلفين بأن لا معنى لها إلا في حالة افتراض عدم حصول أي تطور في التقدم التقني وفي البنيات الاجتماعية و في حجم التجارة الخارجية (236). اعتُبر هذا الافتراض على أنه يفتقر إلى الواقعية لأن العدد  الفعلي الأمثل للسكان يكون قد تغير خلال الفترة الضرورية التي تقضيها الساكنة للتكيف مع الحد الأمثل الذي يمكن تحديده‘ خاصة و أن العوامل الأخرى هي في تغير مستمر (237). ارتكزت انتقادات أخرى لهذه النظرية على دليل قدمه كنعان مفاده أن وضعية السكان في فترة معينة هي  نتيجة لصيرورة تطور سكاني مستمر بحيث لا يمكن فصل هذا التطور عن خصائص السكان السابقة و اللاحقة له‘ و لا يوجد حسب رأيه أي سبب لتفضيل ساكنة حاضرة على أخرى سابقة أو قادمة‘ و في تقديره يستحسن البحث عن المنحى الأمثل للسكان إلى الزيادة أو النقصان عوض محاولة تحديده في فترة معينة (258). على إثر هذه الانتقادات تم اعتبار مشكل العدد الأمثل للسكان لا يكمن في تقويم عدد السكان مع التقدم التقني و الموارد و لكن في تناغم حركة السكان مع تطور العوامل الأخرى المسببة له (259). هذا التصور‘ بقدر ما جعل احتساب العدد الأمثل للسكان شيئا ما معقدا بقدر ما أضفى عليه أيضا طابعا ديناميكيا؛ غير أن الكثيرون من المؤلفين يعتبرون بأن هذه النظرية رغم ما أضيف إليها من عنصر ديناميكي تبقى قائمة على فرضية اعتبار تطور التقنية و تكوين الرأسمال و العوامل الأخرى تطورا مستقلا عن الوضعية العددية للسكان مع الأخذ بعين الاعتبار وجود علاقات ترابطية معقدة بين هذه العوامل جميعها و الخصائص السكانية (241). و تباعا لذلك‘ أصبح من غير الممكن بتاتا تحديد عدد أمثل للسكان دون معرفة هذه العوامل (242) اللهم إلاّ إذا تم التغاضي عنها (242).

    97. عرفت نظرية الساكنة المثلى اهتماما ملحوظا في الفترة 1920 – 1930 و حديثا حظيت بشرف إعادتها من جديد إلى الواجهة من طرف ألفريد صوڤي. بخلاف من سبقوه من المؤلفين‘ يعرًف صوڤي الساكنة المثلى بأنها " الساكنة التي تضمن بشكل مرض تحقيق هدف محدد" على اعتبار أنها أداة للتحليل أكثر من كونها مفهوما نظريا؛ و هو إذ يقر بكون هذا المفهوم مفهوما ساكنا أساسا و يقوم على فرضية قابلة للنقاش تقول بعدم حدوث أي تغير في العوامل اللاسكانية‘ فإنه يعتبره على الأقل مفهوما من شأنه أن يسهل دراسة تأثير العامل السكاني على العوامل الأخرى (244). بعدما تناول بالتحليل الشمولي مفهوم الاقتصاد الأمثل و القوة البشرية المثلى من  منظور جامد‘ عالج صوڤي مسألة آثار مختلف العوامل البنيوية مثل نسبة المنتجين و نسبة الغير النشيطين و توزيع السكان حسب شعب النشاط و حسب الطبقات الاجتماعية وفقا  لنظريته المسماة "نظرية الهيمنة"‘ كما فحص التأثير الذي تمارسه على الساكنة المثلى مختلف العوامل الديناميكية مثل التقدم التقني و تطور البنية الاقتصادية و تطور بنية الشغل‘ وخلص في النهاية إلى الحديث عن أداء و كلفة السياسات السكانية التي تروم الحصول على الساكنة المثلى (245).

    2. علم السكان النظري
    98. يهتم علم السكان النظري‘ أو علم السكان الصرف كما يطلق عليه غالبا‘ بدراسة المحددات المباشرة لعدد و لتطور السكان‘ محاولا في ذلك إبراز أهمية كل محدد على حدة و كذا أهمية العلاقات البينية بين هذه المحددات. و بما أن علم السكان الصرف يدرس الأسباب المباشرة للأحداث و الظواهر السكانية كان من المنطقي أن يعتبره بعض المؤلفين المُكون الأولي للدراسات السكانية.  بعدما يتم التعرف على الأسباب يصبح بالإمكان دراسة العوامل المؤثرة فيها بشكل مباشر إلى حد ما (246). بعبارة أخرى يعنى علم السكان النظري بالظواهر السكانية  و بالعلاقات الكمية و الرياضية بين هذه الظواهر(*) دون الانشغال بالعوامل الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها (247).
    (*) يحاول علم السكان النظري استنتاج القضايا الكمية ( بالمفهوم الرياضي أو المنطقي الأرسطي) على شكل سلسلة من المسلمات كما هو الشأن في الهندسة


    99. يمكن القول ظهر علم السكان النظري في نفس الوقت الذي ظهرت فيه جداول الوفيات و التي تشير إلى التركيبة العمرية لساكنة خيالية تتسم بمعدل ثابت للوفيات حسب العمر وبعدد متساو من الولادات و الوفيات (248). كان أولير في القرن الثامن عشر قد برهن على أن الساكنة التي تتميز بعدم التغير في معدل الوفيات حسب العمر و معدل النمو تكون بنيتها العمرية كذلك و انطلاقا من ذلك يمكن استنتاج جميع الخصائص السكانية الأخرى (249).  حوالي 1875 أرسى ليكسيس قواعد المنهجية التي بموجبها يتم احتساب معدلات التوالد بما في ذلك المعدلات الصافية التي تعبر عن كيفية حلول جيل لاحق مكان جيل سابق (251). تابع  بوخ  (251) هذه الدراسات و في مرحلة متأخرة مؤلفون آخرون أمثال كوزينسكي و دبلين و لوتكا (253)  .

    100. قام لوتكا بصياغة نظرية عامة و شاملة للتفاعلات بين أهم الظواهر السكانية و التي تبرز على الخصوص محددات التركيبة العمرية و بعض الخصائص السكانية الأخرى (254). حسب لوتكا يمكن القيام بدراسة كمية للسكان من وجهتي نظر مختلفتين تقابلهما منهجيتين متميزتين: المنهجية التجريبية و المنهجية النظرية أو العقلانية. في تقديره المنهجية الثانية ممكنة لأن قوانين البيولوجيا أو المنطق تخلق بالضرورة بعض العلاقات بين مختلف الخصائص السكانية‘  كما أنها ضرورية لفهم الظواهر السكانية. و من المؤكد أن هذه المنهجية تلقي الضوء على مختلف العلاقات الترابطية الموجودة بين الخصائص الداخلية للسكان – معدل الولادة‘ معدل الوفيات‘ معدل النمو الطبيعي‘ الخ. - . تقوم مقاربة هذه المنهجية على البيولوجيا أساسا لكن رغم ذلك يقر لوتكا بأن دراسة الساكنة البشرية تقتضي مراعاة العلاقات التي لا تتدخل في  الأنواع الحيوانية و حيث تلعب دورا مساعدا فقط باعتبار أن ذلك  يعبر‘ في العمق‘ عن المظاهر الخاصة بالصيرورة العامة لإعادة إنتاج الحياة (255).

    101. في تحليله النظري بدأ لوتكا أولا بفحص العلاقات الموجودة‘ داخل مجتمع مغلق ( لا يعرف الهجرة)‘ بين أهم المتغيرات السكانية ( معدل النمو‘ عدد الولادات و الوفيات‘ معدلات الولادة و الوفيات‘ معامل البقاء حسب العمر و حسب التركيبة العمرية)؛  بعد ذلك أعطى لبعض هذه المتغيرات قيمة  معينة و خلص إلى التمييز بين نماذج متعددة من السكان‘  بحيث مثلا تشير التركيبة العمرية و معدل الوفيات الثابتة إلى الساكنة المالتوسية؛ ثم يتناول الخصوبة لتحديد ما يسمى بالساكنة القارة أي الساكنة حيث معدلات الخصوبة و الوفيات  حسب العمر لا تتغير (256)؛ و بارتكازه على هذه الفرضيات تناول لوتكا بالتحليل العلاقات الموجودة بين المتغيرات السكانية و استنتج الخصائص التي تتكون منها بعض النماذج السكانية‘ و قدم البرهان على أن معدلات الولادة و الوفيات الخامة و معدل النمو الطبيعي  تكون قارة في ظروف معينة يتم افتراضها.

    102. فضلا عن تطبيقاتها المهمة ساهمت أعمال لوتكا في فهم أفضل للصيرورة السكانية و لدور مختلف العوامل السكانية وتفاعلاتها‘ غير أن الأعمال الحديثة أظهرت بعض القصور في جوانبها التحليلية بحيث لاحظ العديد من المؤلفين أن لوتكا‘ بتناوله لجنس واحد‘ أهمل المشكل العويص الذي يكمن في التمييز بين معدل التوالد الذكري و معدل التوالد الأنثوي في المجتمعات القارة (258).

    103. اعتمد وينكلر إطارا أوسع للدراسة السكانية و وجاء بمفهوم "القياس السكاني" الذي يشير إلى إمكانية قياس تطور السكان قياسا دقيقا بواسطة المناهج الرياضية. تقتضي هذه المنهجية‘ حسب رأيه‘ تطوير الإحصائيات و تحسين تقنيات جمع و تحليل المعطيات‘ و رسم البيانات التخطيطية و وضع النماذج التحليلية التي تكون إما تجريبية ( أي تدرس سكانا حقيقيين) و إما مبنية على عدد من الفرضيات. قام وينكلر بتصنيف هذه النماذج حسب محتواها‘ حقل تغطيتها و الفرضيات ذات الصلة‘ و طابعها إما الديناميكي و إما الساكن‘ الوظيفي أو المتناثر عشوائيا‘ الكلي أو الجزئي؛ و درس بعد ذلك مختلف هذه النماذج (259).                                    
    الهوامش:
    انظر المرجع المعتمد ص 62 و 63 .

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 11:44 pm